تقرأ الآن
السيدة التي تسكن الدور الأرضي

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
481  مشاهدة  

السيدة التي تسكن الدور الأرضي

السيدة

في الغربة، وحينما تكون قادمًا من قريتك للدخول طوعًا أو اختيارًا في مطحنة القاهرة، يكون الرجل منّا خائفًا بشكل دائم، أنا أقصد خائفًا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، يستطيع أن يتذوق الخوف مع الطعام ، يتلفّت في مشيته وكأنه لصًا تطارده الشرطة ، يخشى من النصابين، والأونطجية، يخاف حتى من السيارة التي تمر بجانبه بسرعة قاهرية مزعجة .

قادتني الظروف أن أسكن إلى جانب أربعة من الذين قرروا أن يلعبوا لعبة المقامر، قادمين إلى القاهرة حاملين ما يظنونه موهبة سترقيهم إلى المجد ، كان البيت متخبطًا إلى حد كبير ، أو بمعنى أصح كان صاحبه رجل أجش، صلد كالصخر، لذلك ألقى ملابسنا من الدور الخامس ، وطردنا شر طرده لعدم دفع الإيجار لمدة ثلاثة أشهر متتالية .. فذهبنا حيث منزل السيدة أم سيد

 

حذرنا السمسار من إن أم سيد ستفتك بـ (اللي جايبينكم) إذا تأخر الإيجار يومين، إنها امرأة (صعبة) وكنصابين محترفين يحلمون فقط بالمبيت تلك الليلة تحت أي سقف أقسمنا أن الإيجار سيكون حاضرًا قبل أن ينتهي الشهر بيومين على الأقل .. ودخلنا المنزل وقبلنا السمسار مترجيًا أم سيد أن : هؤلاء (شوية) عيال غلابة ، يعرفون جيدًا التقاليد وسيحافظون جيدًا على البيت .. اقتربت منّا ام السيد رافعة النضارة قعر كوباية ، قائلة بثقة مبالغ فيها : غلابة بس نصابين ! ، ارتبك الجميع نظرًا للمس العصب العاري التي باغتتنا به السيدة ، وبعد فترة نشف فيها ريق السمسار وافقت أن نسكن بالمنزل نظرًا لأن قوتها ستستوعب كل أمور الحنجلة والنصب، وهي تدرك جيدًا ذلك !

 

ليلة المبيت الأولى كان الشتاء قد جعل أرضية الشقة (مرصرصة) ، وكنا قد بهتت لدينا فرحة المبيت تحت سقف منزل، وبدأنا في المعاناة من أزمة البرد الذي بدأ في التقريص في جتتنا واحد تلو الآخر .. في اللحظة الذي طرق الباب أكثر من مره فظننا أن الست أم سيد قد غيرت رأيها، لكن المفاجأة حين فتح أحدنا الباب فوجدها تحمل بطانيتين كبيرتين ألقتهما داخل الشقة أول ما فتح الباب، وبوجه عبوس لا يعبر عن نبل الفعل قالت : اتنيلوا اتغطوا ..في البرد دا وممعاكوش بطاطين؟ أنا عارفه ايه الهم دا !

 

جاء معاد إيجار الشهر الأول وكالعادة استخدمنا اسلوبنا المعهود في التأخير المقصود حتى تنام الست أم السيد ونهرب صاعدين للشقة ، نجحت الخطة أول يومين ، حتى جاء اليوم الثالث وتفاجئنا بالست أم السيد أمام باب الشقة، وقبل أن نتفاجئ كانت وصلة الردح قد نزلت على رأس كل منّا كأبابيل الطير، حتى ارتفع ضغط الست أم السيد ودخلت شقتنا وهدأت وتيرة الحديث .. وإذا بها تقف كالمديرة وتطلب منّا بيانًا بقيمة قبض كل واحد فينا .. وحينما سألناها : ليه؟ .. قالت بحزم : هدخلكوا جمعية .. هاخد منها الإيجار والباقي هتحوشوه .. انسوا السرمحة والقعدة ع القهاوي من انهارده .. القهاوي دي اللي ضيعت فلوسكم ! .. هكذا بدون أن تنتظر رد واحد فينا .. نزلت إلى شقتها .. وكالمسحورين وافقنا دون أن المناقشة حتى مع بعضنا !

 

شهر تلو الآخر .. التزم كل من فينا برمي القبض في حِجر أم سيد، التي تجلس في الدور الأرضي تحكم البيت كله بحزم نافشة ريشها، وتمشينا جميعًا أمامها كالكتاكيت ، من كبيرنا لصغيرنا .. عرفت أن للست أم سيد الأرملة أربعة من الأبناء، الأولى توفاها الله بعد مرض عضال، والثانية في مشاكل دائمة مع زوجها الأرعن ، وآخر سافر الخليج بلا عودة ، والأخير فاته قطر الزواج وأصابه الاكتئاب ويجلس منزويًا في غرفة صغيرة على سطح المنزل

 

لاحظت خلال الفترات المتعاقبة، كيف أن هذه المرأة تعد مؤسسة وليست فردًا ، تسهر الليل كاملًا لصناعة قُرص رحمة ونور توزعها على قبر ابنتها بعد مشوار شاق تقطعه كل خميس من كل اسبوع إلى المقابر، تتناقش مع ابنتها التي ماتت صغيرة في كل شاردة ووارده ، وتهتم بها وكأنها تعيش معها، تتحدث إنني ذاهبة إلى ليلى غدًا ، وكأن ليلى هذه على قيد الحياة ، لا تضيف إليها لقب المرحومة ، تشعر وكأنها ستفتح القبر وتمشط لابنتها شعرها حتى توفيها كامل الاهتمام

أما عن إبنها الذي سافر الخليج وطرد من قلبه الاحساس عنوة حتى لا يحن إلى أمه ويعود ذات يوم .. فتقوم أم سيد باستخدام أحد أطفال المنطقة حتى يجهز لها الموبايل في الحديث ماسنجر مع ابنها ، مقابل قطعتين من الحلوى … تعرف جيدًا أن ابنها قد نسيها وطردها من قلبه ، لكنها تستمر في ضخ الحنان عليه كلما حدثته

تتحول أم سيد إلى مصارع محترف حرفيًا في التعامل مع زوج إبنتها الأرعن ، سمعتها ذات مره تخبره أنها ستقلع عينيه إذا مد إيده على ابنتها مره ثانية ، ويقف أمامها هذا الأرعن المغرور كالعصفور المبلول ، لا أعلم من أين تأتي بكل هذه القوة

تتحول أم سيد إلى أعتى طبيب نفسي حينما تجلس مع ابنها المكتئب ، تناقشه كيف كان أبوه مكتئب مثله وانفكت عقدته ، كيف كان ابن عمه عاطلًا ويلعب الآن بالفلوس لعب، ولا تجد من ابنها غير الصمت المحبط .. فتسأله أن يشرب بؤ البرتقال دا .. فيصدها ، فتترك له صينية من الكيك وتقول له ابقى غير ريقك .. وتنزل من السطح يوميًا محبطة .. لكنها أبدًا لا تنقطع عنه .. في اليوم التالي أجدها تصعد إلى السطح حامله نفس أمل الأمس !

إقرأ أيضا
الكورونا

 

في إحدى المرات ، سمعت صوت زغاريط متداخلة قادمة من الدور الأرضي، نزلت لأشاهد ما الذي يجري ، فكان المشهد كالتالي .. أم سيد تتوسط مجموعة من حريم الحتة ، أطفال وآنسات وكبار، ممسكة بطبلة هي في الحقيقة طبلة الحتة كلها لا تخصها فقط ، وتقول : “خدناها بالسيف الماضي .. وابوها ماكنش راضي .. علشانها بيعنا الأراضي .. الحلوة اللي خدناها” …. وباقي فلكلور “ياللي ع الترعة حوّد ع المالح” وتردد خلفها باقي الحريمات .. وعرفت بعدها إنها متعهدة إقامة ليالي الفرح في الحتة ، واليوم كان ليلة خروج إحدى آنساتها لبيت العَدَل .

فكرت كم هو كوميديًا أن أشتكي من إرهاق الحياة وهذه السيدة موجودة .. هي طبيبة نفسية ، ومربية دواجن ماهرة، لديها من الكتاكيت الكفاية، ومطربة بصوت حيّاني نادرًا ما تجده، ومصارع قوي الشكيمة ، ومحاسب صارم في أمور الجمعيات واقتصاد المنازل المحفوف دائمًا بالسقوط، بنك خيري أحيانًا حيث يلجأ إليها كثيرين في سُلفة عاجلة لسترة إحدى البنات المقبلة على الزواج،  بالإضافة لأنها خبير غذائي ماهر لا يجرؤ كائن من كان أن يضحك عليه ، هي نواه كبيرة يلتف حولها الكون

في ليلة كان النقاش قد احتدم بين أفراد الشلة بشأن أحد التريندات المنتشرة في مصر، مما أزعج السيدة أم سيد، فاستيقظت تتسائل عن ماهية الموضوع الذي اشتعلت من أجله حناجرنا صراخًا ، فقال أحدنا : “هناك بعض الناس يا ست يشبه السيدات بالعربيات، ويوجه بضرورة ركنها في الشارع مقفولة وليست مفتوحة”

فردت السيدة بشكل تلقائي: “دي عيال قليلة الرباية .. أنا داخلة أنام مش عايزه صوت”

فضحنا جميعًا أن كل هذا التريند لم يرهق فصوص مخها دقيقة أو حتى ثواني .. ضحكنا وأكلنا باقي أطباق أرز بلبن قد صنعته لنا بالأمس، الآن القاهرة أكثر أمانًا !

الكاتب

Content Protection by DMCA.com
ما هو انطباعك؟
أحببته
13
أحزنني
3
أعجبني
6
أغضبني
0
هاهاها
6
واااو
3
‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2020, كافه الحقوق محفوظة

اعلى الصفحه
error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان