تقرأ الآن
السيرة الكلثومية.. قصة درة القرن العشرين وكوكب الشرق الآنسة أم كلثوم إبراهيم.. الحلقة الرابعة:

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
202   مشاهدة  

السيرة الكلثومية.. قصة درة القرن العشرين وكوكب الشرق الآنسة أم كلثوم إبراهيم.. الحلقة الرابعة:


أهلا بكم أعزائي القراء في الحلقة الرابعة من قصة درة القرن العشرين وكوكب الشرق الآنسة أم كلثوم إبراهيم، وكنا قد توقفنا في اللقاء السابق حيث مشاكسات أم كلثوم في طفولتها، واليوم نكمل تلك المرحلة، والحقيقة أن وضع كوكب الشرق مع شيخ الكتاب بدأ يأخذ منحنى مختلف عما سبق بفضل غناء أم كلثوم في بيت شيخ البلد، وقتها عرف عنها حسن الصوت وذاع صيتها في قريتها والقرى المجاورة وباتت تتقاضى أجرا عن هذا الغناء استطاعت أن تغطي به مصاريف الكتاب ومن ثم هدأت العلاقة قليلا بينها وبين الشيخ، فقد كانت أم كلثوم تخشاه وتخاف منه أكثر من أي شيء أو شخص آخر.

أم كلثوم تترك الكتاب وتنتقل إلى مدرسة السنبلاوين:

صحيح كانت أم كلثوم صاحبة رأي منذ صغرها في اتخاذ قرار الذهاب للكتاب والتعلم ولكن معاملة شيخها لها وخوفها منه جعلتها تخشاه وتخاف منه بل إن وفاة شيخ الكتاب كانت مصدرا لبهجتها وسعادتها كطفلة كانت تعتقد أن بوفاة شيخها سترفع عنها المسئولية وستعفى من هذا التكليف الذي تراه ثقيلا عليها، وحول وفاة شيخ الكتاب ومشاعر أم كلثوم حينها، تحكي أم كلثوم كما جاء في كتاب أم كلثوم للدكتورة رتيبة الحفني:

أول ما خطر في بالي عند وفاة سيدنا هو أن أطمئن على أنه مات بالفعل، جريت إلى بيته، فوجدت زوجته تبكي وتصرخ بشدة، فلم أصدق، ورحت أجري وأبحث عن باقي منازل أقاربه ومعارفه فوجدتهم يبكون، فرجعت مرة ثانية إلى بيت سيدنا، وقررت أن أدخل حجرته لأراه على فراش الموت، وبالفعل تسللت من بين أرجل المعزين ودخلت حجرة سيدنا ورأيته ممددا على السرير، ولكنني لم أطمئن إلا بعد أن سرت وراء الجنازة ورأيت المشيعين ينزلونه إلى قبره، ويقفون عليه ويعودون من غيره، وفي هذه اللحظة وحدها شعرت بالاطمئنان، ومضيت أجري وأقفز في سعادة، فقد تصورت أنه بموت سيدنا انتهى عهد التلمذة والذهاب إلى الكتاب بالنسبة لي، كنت أتخيل أن سيدنا هو الذي بدع مسألة التعليم كلها، وأنني بموته قد تحررت نهائيا من المذاكرة وتحصيل العلم، ولكن اتضح بعد ذلك أن موت سيدنا قد جاء على دماغي، فقد أرسلوني إلى مدرسة السنبلاوين وأصبح عليّ أن أسير على قدمي كل يوم ذهابا وإيابا خمسة كيلومترات ونصف، وساعتها فقط ترحمت على سيدنا الشيخ، أما عن مدرسة السنبلاوين تلك، تقول كوكب الشرق أم كلثوم: مدرسة السنبلاوين هذه أو كتاب عزبة الحوال كان الشيخ فيه اسمه الشيخ إبراهيم جمعة ولم يضطهدني هذا الرجل مثلما كان يفعل المرحوم سيدنا، وقتها أحببت التعليم ربما لأول مرة في حياتي، وكانت أم كلثوم وهي في هذا الكتاب تذهب وقت الراحة إلي بيوت بعض جيران المدرسة، فتغني لهم ليعطوها خمسة مليمات أو عشرة مليمات فتعود فرحة سعيدة تعاير زملائها وشقيقها وقريبها صابر بالنقود ثم تنظر إليهم وهم يتميزون من الغيظ.

امتلكت كوكب الشرق ما لم يمتلكه غيرها من صنعة تسلب الألباب، وجادت بتصرفاتها فيما له أصل عند غيرها من أساتذة ومعاصرين، وعرفت بالأداء المشيخي الرصين، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى تنشئتها تلك التنشئة المشيخية، فقد تربت ام كلثوم في الكتاب وبدأت بحفظ القرآن الكريم وتجويده فأثقل ذلك موهبتها وحسن مخارجها، فضلا عن ليالي الإنشاد والمديح التي كان يصطحبها فيها والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي على ما سيأتي.

كوكب الشرق الطفلة تكشف عن موهبتها وتعبر عن نفسها: 

من المشاعر التي مرت على جميع المطربين والصييته إحساسهم بذاتهم واكتشافهم لأنفسهم، حين يحاكون أو يقلدون ما يسمعون من قرآن أو غناء، وقتها يشعر الفنان بأن شيئا بداخله يحادثه، ها أنت تستطيع أن تعبر عما بداخلك من فن، وحينئذ يبدأ الفنان في الكشف عن تفاعلات الفن الكامنة بعقله وقلبه وهذا بالضبط ما حدث مع كلثوم في تلك المرحلة، كانت أم كلثوم تستغل كل وقت فراغ في التغني بما تسمعه من والدها وأخيها خالد، وذات يوم كانت أم كلثوم الطفلة تجلس على مقربة من الكتاب منتظرة وصول الشيخ، وأخذت تغني بعضا مما كانت تنشده مع الشيخ ابراهيم البلتاجي في الموالد، وقد مر بها رجل وقور فتوقف متابعا غنائها، وبعد أن انتهت استوقفها قبل أن تدخل الكتاب وسألها عن اسمها وعن اسم والدها وعن قريتها، وكان هذا الرجل هو القاضي على بك حسين وكان هذا الرجل من محبي الفن والغناء ومعروف عنه التمييز بين أنواع الغناء ومراتبه، وفي أحد الأيام قرر علي بك حسين زيارة الشيخ إبراهيم البلتاجي في طماي الزهايرة، وراح القاضي علي بك يؤكد لوالد أم كلثوم أن في منزله كنزا لا يعرف قدره، فسأله الشيخ ابراهيم عن مكان هذا الكنز، فأجابه القاضي أن الكنز في جنجرة ابنته الطفلة  أم كلثوم، وضحك الشيخ إبراهيم متعجبا من حديث علي بك، إلا أن القاضي علي بك استطاع في النهاية أن يقنع والد أم كلثوم بالاهتمام بهذا الصوت ورعايته وأبدى استعداده الكامل لأي مساعدة من أجل هذا الهدف.

جاء في مختارات الهلال 1946م، على لسان أم كلثوم:

كان والدي يمارس فن الغناء، وكنت أنا وشقيقي خالد نتردد على كتاب القرية، حتى إذا شب أخي أراد والدي أن يعلمه هذا الفن ليستعين به، فأخذ يلقنه الأدوار والموشحات، وذات يوم كلفه أن يحفظ موشحا، فلم يستطع حفظه، وظل يعيده عليه أكثر من مرة، ولكن أخي لم يحفظ الموشح، مما دفع والدي إلى تعنيفه وضربه، وخلال ذلك كنت قد حفظت الموشح ووجدت في نفسي ميلا شديدا لإلقائه، فأسرعت إلى والدي وقلت له، هل تسمح لي يا أبي أن أسمعك هذا الموشح، وكان والدي محافظا ولم يفكر يوما في أن أمارس الغناء فرد علي: يا بت اتلهي، فألححت في طلبي، وأصر هو على الرفض قائلا: اللي أخوكي مش عارف يقوله هاتقوليه انتي؟ ولما يئست من قبوله، دخلت غرفة أخرى وشرعت في غناء هذا الموشح، فأنصت والدي إليّ حتى انتهيت منه، فناداني وكأنه في هذه الدقائق فقط قد عرف ما في نفسي من ميل فطري للغناء وطلب مني أن أعيد عليه الموشح فأعدته.

لازم إلحاح الطفلة أم كلثوم على والدها الشيخ ابراهيم البلتاجي بدايات ممارستها لهذا الفن وكانت تلك الحيلة تنجح في كل مرة، لذلك يعتبر الكثير من المؤرخين أن المكتشف الحقيقي لأم كلثوم والمعلم الأول لها هو الدها الشيخ ابراهيم البلتاجي، وتوضيحا لذلك تحكي أم كلثوم عن حفل شيخ البلد الذي أشرنا له من قبل فتقول:

كان والدي مدعو للغناء في منزل شيخ البلد فألححت عليه أن أشارك في هذا الحفل مؤكدة أنني أحفظ كل ما يعرفه أخي خالد من قصائد وموشحات دينية، وكالعادة أمام هذا الإلحاح المستمر وافق الوالد على أن يشركني معه في الحفل، وكان الحاضرون في الحفل حوالي خمسة عشر شخصا فقط، وكنت أعتبرهم عددا ضخما، أوقفوني على دكة ليراني الحاضرون وبدأت أغني، تقول أم كلثوم أنها لم يهمها أمر الحضور فلم تهب الموقف ولم تفكر في أن يعجبهم الأداء أو لا يعجبهم، فقط كانت تفكر في أجرها وهو طبق المهلبية الذي وعدها به والدها، وكان طبقها المفضل، تقول أم كلثوم فيما بعد عن هذا الحفل: لم أشعر بخوف أو رهبة ولم أضطرب أمام الجمهور، لقد وقفت وغنيت بلا اهتمام وكأنني أغني لعروستي الصغيرة رغم أنني أخاف اليوم من الجمهور الذي يعرفني وأعرفه وأعمل له ألف حساب.

إقرأ أيضا
سيد

السيرة الكلثومية.. قصة درة القرن العشرين و كوكب الشرق الآنسة أم كلثوم إبراهيم.. الحلقة الأولى: (مقدمة)

ربما مثّل هذا الحفل البسيط نقطة ارتكاز في حياة أم كلثوم التي انطلقت منها إلى دائرة أكثر اتساعا فيما بعد في قريتها والقرى المجاورة، ومنها اتسع قطر تلك الدائرة وصولا لمدن وقرى القطر المصري كله، ليتطور الوضع فيما بعد، وذلك بعد أن تفحت أعين الصبية الفلاحة على المدينة وأضوائها وصولا للعالمية في ذروة مجدها، خطوات كثيرة وصعبة وحروب كافحت خلالها الطفلة والصبية والآنسة قبل أن تتربع على عرش الغناء في الوطن العربي سنتحدث عنها تباعا في الحلقات القادمة إن شاء الله.

وإلى هنا أعزائي القراء نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة ونكمل المسيرة في حلقات قادمة.

دمتم في سعادة وسرور.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
2
أحزنني
0
أعجبني
1
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
1
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان