رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
169   مشاهدة  

الشعب على دين الدولة

الدولة الفاطمية
  • روائي وكاتب مقال مصري.. صدر له اربع روايات بالإضافة لمسلسل إذاعي.. عاشور نشر مقالاته بعدة جرائد ومواقع عربية منها الحياة اللندنية ورصيف٢٢.. كما حصل على عدة جوائز عربية ومنها جائزة ساويرس عن رواية كيس اسود ثقيل...

    كاتب نجم جديد



قالت له الزوجة وهى سعيدة بانتصارها: «لقد حصلت بعد معاناة على كيس من السكر، وسوف أصنع لكم به حلوى»..

وكان الأسطى أحمد من عشاق الحلويات رغم مرضه! وقال لها: «أنا عاوز أم على»..

وهى ضحكت، وردت بمحبة: «عيني»، ثم سألته بفضول: «طوال عمرى وأنا أتساءل من هي أم على التي ألصقوا اسمها بذلك النوع من الحلويات؟!»..

وأجاب النجار: «أعتقد أن المقصود بها أم على بن أبى طالب».

ونالت الدهشة من المرأة كما ينبغي، وراحت تفكر في العلاقة بين الحلويات وتلك السيدة، وتساءلت: «لماذا هي بالذات؟ هل هي صاحبة الوصفة مثلا؟ هل كان لها علاقة بإعداد الحلويات؟».

جامع الأقمر الفاطمي
جامع الأقمر الفاطمي

وحاول الأسطى أحمد أن يضع الأمور في مكانها الصحيح، وقال: «الأمر يرجع إلى الحكم الفاطمي لمصر، وقد امتد هذا الحكم لـ٢٠٠ سنة، وقد كان الفاطميون أكثر من أثَّر في ثقافة المصريين، وهم أول من شيدوا قلعة للخليفة، وكذلك الفضل يعود لهم في بناء الأزهر، ولن ننسى بالطبع أن جوهر الصقلي الذى بنى القاهرة بناها في عهد المعز لدين الله الفاطمي، وبذلك يكون الفاطميون هم البناة الحقيقيون للقاهرة القديمة، وقد حوطوا مدينتهم التي تقع بالجانب الغربي لقناة أمير المؤمنين بسور عال»..

وسألت المرأة وقد استهواها الحديث: «وما قناة أمير المؤمنين؟»

وقال النجار: «تلك القناة قد شقها الفراعنة في العهد القديم كأول مجرى ملاحي بمصر، وكان يشق القاهرة من شارع بوسعيد حاليا ويمتد إلى السويس! وبسبب عوامل المناخ وتراكم الزمن جفت تماما وما عاد لها قيمة. غير أن عمرو بن العاص حين فتح مصر في ٦٤1م أي في ٢٠ هجريا وقيل ٢١ أرسل إلى الخليفة عمر بحكاية القناة، فأمره أن يعيد تشغيلها.

وقد فعل، وكان العرب وقتها قد نزلوا عند الفسطاط حيث كانت تلك المنطقة تعج بالجنسيات والديانات المختلفة..

أما في عهد الدولة الفاطمية فقد انعزل الحكام والأمراء والفرسان فى مدينتهم الجديدة، وهى –كما سابقا– تقع في الجانب الغربي والذى عرف اليوم بمنطقة الأزهر، وقد منعوا الرعية من دخول تلك المدينة تحت أية ظروف، ليكون الشعب مكانه الطبيعي عند الفسطاط بينما رجال الحكم منعزلين في قصورهم!

ورغم تلك العزلة فإن الشعب القاطن بالفسطاط تمكن من جعل تلك المنطقة مصدرا للبهجة والفنون!

ولكن أهم ما يميز تلك الحقبة أن مركز الخلافة أصبح بمصر، وكانت مصر قبل ذلك مجرد ولاية تتبع مركز الخلافة بمكة أو الشام أو بغداد.

أما في عهد الدولة الفاطمية فقد صارت مصر هي مركز الحكم بينما باقي الولايات من الشام للمغرب تابعة لها، وربما لذلك فقط فقد اعتبر الفاطميون أن مصر موطنهم الأصلي، ولعل ذلك ما دفعهم لنبش قبور أجدادهم واستخراج الرفات منها، ودفنها مرة أخرى بمصر، لتصبح مقامات لا يزال التبرك بها قائما حتى اليوم!».

وانتهى النجار من حديثه ولكن لم ينته فضول الزوجة، وقالت: «وما علاقة كل هذا بحلوى أم على؟»..

طبق أم علي
طبق أم علي

فابتسم الزوج لفطنة زوجته، وقال :ِ «أنت تعلمين أن المصري منذ القدم يتبع دين الحاكم، فلو كان الحاكم إلها لتعبد له وتقرب بالقرابين، وإن كان ابنا لإله لصدق ذلك وتباهى به وتفاخر، وإن دخل الرومان مصر لتحول إلى مسيحي مخلص يحمل صليبه بصبر وصمت وقدرة مدهشة على الاحتمال، ولو دخل العرب بدينهم لتحول إلى الإسلام وأصبح متعصبا ومتفانيا في عبادته!

ولأن الحكم الفاطمي لمصر حكم شيعي في المقام الأول، ولأن الأزهر نفسه تم بناؤه لنشر الثقافة الشيعية بمصر، كان لا بد للناس أن تنساق كعادتها لرغبة الحاكم!

وكان الحاكم –بالضرورة- على عداء مع أهل السنة، أو الفئة الموالية لمعاوية وعائشة، ولذلك فقد ظهرت مفردات جديدة في تلك الآونة، كأن يقول أحدهم للآخر عمل عيشة، أي أنه خاف مثل عائشة».

إقرأ أيضا
دار الفطرة

«ولكن ألا يعتبر هذا ازدراء أديان؟»..

وتنهد النجار وهو يتذكر تلك الكلمة، وعدد من تم إلقاؤهم في السجون بحجة ازدراء الأديان، وقال بأسى حقيقي لا رياء فيه: «ازدراء الأديان من أجل أصحاب العقل والتنوير، وهو قانون لمنع المبدع والباحث والكاتب والعالم في بعض الأحيان من ممارسة دوره في توعية الآخر!

وصدمت المرأة فعليا، فقال: «تلك مكيدة أخرى، فالذي يختار لأعدائهُ أقبح الصفات والأشياء لابد أن يختار لنفسه أجملها، وليس هناك أجمل من الحلوى، والأمر لا يقف فقط عند أم على، فهناك أصابع زينب أيضا، والمقصود بزينب هنا هي زينب بنت على بن أبى طالب. وهكذا توارث الشعب المصري تلك المفردات أجيالا تعقب أجيال حتى وقتنا الراهن!».

وسقطت الزوجة في الحيرة، هل نحن في حاجة إلى إعادة المصطلحات والمفاهيم؟ لماذا علينا دائما أن نتبع دين الدولة؟ أن نعادى من تعاديه وأن نتقبل ما تتقبله؟ وقالت لنفسها: ماذا لو حكمنا الهكسوس أو التتار أو عبدة الشيطان؟ هل كنا سوف نتبع ديانة الحاكم والدولة في تلك الحالة؟ هل كنا سنتحدث بألسنتهم ولغتهم ونحارب من ينقدهم ونزج به في السجون؟

ولاحظ النجار شرود زوجته وهو أعلم الناس بها: وقال لا بد وأنها تفكر في كيس السكر، ولا بد أيضا أنها تراجع نفسها، فالظروف الكئيبة التي تمر بها الدولة جعلت من الكيس كنزا لا يمكن التفريط فيه بسهولة، وقال لها: «لن تعملي أم على»..

فردت ضاحكة: «ولا أبو على.. فدين الدولة اليوم هو التقشف، وأنا كمصرية سوف أتبع دين الحاكم!».

الكاتب

  • دين الدولة عمرو عاشور

    روائي وكاتب مقال مصري.. صدر له اربع روايات بالإضافة لمسلسل إذاعي.. عاشور نشر مقالاته بعدة جرائد ومواقع عربية منها الحياة اللندنية ورصيف٢٢.. كما حصل على عدة جوائز عربية ومنها جائزة ساويرس عن رواية كيس اسود ثقيل...

    كاتب نجم جديد






ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
‫إظهار التعليقات (2)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان