تقرأ الآن
من “طرفة بن العبد” إلى حسن شاكوش .. الظلم موروث الفن الشعبي

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
909   مشاهدة  

من “طرفة بن العبد” إلى حسن شاكوش .. الظلم موروث الفن الشعبي

الفن الشعبي

الفن الشعبي مثل الإنسان على الأرض، يعاني من أمراض اجتماعية، الحقد الحسد الغيرة الفقر القمع والظلم، ومن قصة قابيل وهابيل إلى محاضر الشرطة في الأقسام المصرية، سجل الإنسان جرائم تحت دافع هذه الأمراض، والتي كان أبرزها والحاضر دائما هو “الظلم”، أو بتعبير أدق حتى وإن كان مستهلكًا “ظلم الإنسان لأخيه الإنسان”.

كان هناك دور مهم يقدمه الفن الشعبي لمقاومة الظلم إذ أكد على أضراره وقدم محاولة لتفسير دوافعه لدى الآخر، وجاء ذلك على أكثر من مستوى، بداية من الميثولوجيا الدينية مرورًا بالآداب الإنسانية والفلسفات على مر العصور، وفي مختلف الطبقات، بدءًا من الأنبياء والملوك والشعراء والنخب البشرية وحتى عوام الناس في عمر الأرض، سجلت الفنون الظلم كمواقف أو تساؤلات، وصل لنا منها ما يكفي ويفيض حتى نعلم أضراره، إلا إن الإنسان ينسى ويحتاج كل فترة إلى من يذكره بهذا المرض ومخاطره بطريقة وبأسلوب وبلغة تناسب ثقافته ووعيه وبيئته.

من المعلقات السبع وتحديدا معلقة طرفة بن العبد ومعلقة عنترة ولامية العرب وحتى أغنيات المهرجانات، تضمن التراث الأدبي المكتوب والمروي والمغنى هجوما حادا على مفسدة الظلم، وعبر عنه بطرق متفاوتة في العمق والضحالة، لكن كلها تركت تأثيرها في الوجدان الجمعي.

وبما أن الظلم هو أكثر أمراض البشرية شيوعا، وأقربها مطلبًا للجميع، فقد فردت له الفنون والآداب العربية مساحات واسعة، وتدرجت في دوائره المختلفة، من ظلم الأهل والعشيرة كما في شعر طرفة وعنترة، إلى ظلم النظام السياسي كما في بكائيات المواليا على البرامكة، والذي تطور على مدى قرون في الأوساط الشعبية حتى وصل إلى صورته المعاصرة “الموال”.

وبعيدًا عن الغوص في بواطن الكتب بحثا عن المظلوميات الأدبية، نستعرض ببساطة بعض النصوص التي وجدت مكانها في الوعي الجمعي العربي، وباتت مترابطة بخط واحد ممتد من تاريخ الأدب العربي، وتحول منها ما تحول إلى أمثال وظل منها ما ظل كما هو نصوصًا كاملة.

طرفة والشنفرى

طرفة بن العبد - رسمة في كتاب من عيون الشر
طرفة بن العبد – رسمة في كتاب من عيون الشر

من مسماه التاريخي يتكون العصر الجاهلي من مجموعة قبائل متناحرة بينها وبين بعضها وفي داخلها أيضا، ومن أبرز هذه المظاهر هو طرد القبيلة أحد أبنائها لمخالفته العادات والتقاليد، أو لمجرد مخالفته قبيلته في الرأي، وفي ذلك يثول طرفة:

إلى أن تحامتني العشيرة كلها وأفردت إفراد البعير المعبد
يعز على الشاعر أن تتخلى عنه قبيلته وتبعده عنها كما تبعد البعير المصاب بالجرب عن بقية البعير حتى لا تصيبها العدوى، ولكن إبعاد البعير لا يؤثر في نفسيته مثل إبعاد الإنسان:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند
فإن كان الظلم مكروه، فإن ظلم الأهل والمجتمع أشد كرها على النفس من الضرب بالسيف.

وكما قال الشنفرى:
أقيموا بني أمي صدرو مطيكم فإني إلى قوم سواكم لأميل
يعلن صراحة مفارقته القبيلة، والذهاب إلى الخلاء ووحوش الصحراء التي لا ترفض أفرادها:

ولي دونكم أهلون سيد عملس وأرقط زهلول وعرفاء جيأل
سأتخذ من دونكم الذئب والحية والضبع، لأنهم:

هم الأهل لا مستودع السر ذائع لديهم ولا الجاني بما جر يخذل
هؤلاء هم الأهل على حق، لا يذيعون السر ويفضحون أبناءهم، ولا يصمون الجاني بجرمه طوال العمر، كما يفعل البشر، مع إن البشر جميعهم يخطئون.

دوافع الظلم في العشيرة والقبيلة كانت صريحة وواضحة، سواء في الواقع أو في الأدب، فهم يريدون مال طرفة، ولا يحبون الشنفرى لنسبه الوضيع، ويخبرونه بذلك صراحة، حتى التساؤلات كانت بسيطة وواضحة، حين يخاطب طرفة ابن عمه الذي طرده بسبب تبذيره في السهر والشراب:

فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي فذرني أبادرها بما ملكت يدي
أي لو كنت لا تمتلك ساعة موتي ولا تستطيع دفع الموت عني فاتركني أنفق ما في يدي من أموال حتى تأتي ساعة الموت، ولعل طرفة والشنفرى وغيرهم ليسوا بشهرة عنترة، ولكن أثارهم التي سجلوها ظهرت في عصور تالية، ونفس القضايا التي عانوا منها من ظلم الأهل والأصحاب كانت قوام الأدب الشعبي في ما بعد.

مجنون ليلى

مخطوط نسخ في القرن 18 كتب عليه جزء من أبيات شعر لقيس بن الملوح
مخطوط نسخ في القرن 18 كتب عليه جزء من أبيات شعر لقيس بن الملوح

من أشهر قصص التاريخ العربي أدبيا وشعبيا، هي قصة قيس بن الملوح وليلى العامرية، اللذان عشقا بعضهما صغارا ففرقهما الأهل عقابا لعشقهما، نعم كانت من عادات هذه الأيام معاقبة العاشق وقائل الشعر في حبيبته بحرمانهما من بعضهما.

ومن أشهر أبيات قيس في ليلى، والذي يعرفه الجميع:
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
ولكن هذا البيت على شهرته هو من باب المواساة، ولكن أصل المشكلة يلخصه قيس في البيت:

فلو أن واش باليمامة داره وداري بحضر موت اهتدى ليا
أي أن هؤلاء الظالمين الذين يسعون للتفريق بيني وبين ليلى دائما، لو أن بيني وبين بيت أحدهم آلاف الأميال وصل إلي وعرف حالي واستمر في التوقيع بيني وبين أهل ليلى ليبعدها عني.

حسن ونعيمة

حسن ونعيمة - رسمة
حسن ونعيمة – رسمة

تتعدد قصص الظلم في العشق والعشق تحت الظلم طوال التاريخ، لكن يظل ظلم الإنسان للإنسان موضوعا لا تخلو منه ثقافة أي جيل، يعبرون عنها بمفرداتهم:
كلامنا بلدي، اسمع يا ولدي
قِصه عظيمة حسن ونعيمة
أصل الحكاية سمعت بدُور يعجبكم
حادثة تبكي سليم القلب يعجبكم
وراح فيه ولد فن ،صيته رن يعجبكم
من الصعيد للبحيرة ،ألفوا موال
علشان جدع مات فى الغربة مالوش موال
وع الأواخر أنا راخر هاقول موال
عسى يكون عال والموال يعجبكم

اقرأ أيضًا
حسن ونعيمة .. قصة الحب المصرية التي قتلها اختلاف الديانة

بهذه الكلمات يبدأ الفنان الشعبي الأشهر محمد طه ملحمة حسن ونعيمة، وهي ملحمة من عدة ملاحم قدمها هذا الفنان، تأتي قصتها من الموروث الشعبي المتداول، وهي قصص مكتملة الأركان، يصيغها في هيئة “موال”، وهو فن ساد مصر في مطلع القرن العشرين.

وحسن ونعيمة هي قصة حب بين شاب وفتاة انتهت بمقتله على يد أخوة الفتاة، وهي تمثل نموذجا للظلم والجهالة، ولعل هذا هو سبب اختيار الفنان الشعبي لهذه القصص، فالمظلوم ليس البطل وحده، المظلوم هو كل شخص يسمع هذا الموال، المظلوم هو أنا وأنت وكل إنسان كان له قلب تحرك تجاه حبيبه ولم ينل منه وطرا.

 

أدهم الشرقاوي

خبر مقتل أدهم الشرقاوي
خبر مقتل أدهم الشرقاوي

منين أجيب ناس لمعنات الكـــلام يتلوه
شبه المؤيد إذا حفظ العلــــــــــوم وتلوه
الحادثة اللى جرت على سبع شرقاوى
الاسم أدهم لكن النقب شرقــــــــــــاوى
مواله أهل البلد جــــــيل بعد جيل غنوه

 

من محمد طه إلى محمد رشدي، لا تتوقف الملاحم الشعبية، لكن الملحمة هذه المرة لشاب من محافظة البحيرة عانى من ظلم الاحتلال، فنذر نفسه لمقاومته، ورفع الظلم عن بني وطنه.

كان ف البلد باش أغا
حاكم لكن غدار
مسخراه فى البلد
اللى يخالفه يا ويله
كان عذابه شديد

ظهرت ملحمة أدهم الشرقاوي في مطلع الستينات، وغناها محمد رشدي في البداية، ثم تلقفها المصريون بكل طبقاتهم، وأصبح أدهم رمزا وليس مجرد ملحمة شعبية، رمز لكل مظلوم قرر أن يحارب الظلم، حتى أن الدولة المصرية في ذلك الوقت شجعت صناعة فيلم عن أدهم الشرقاوي في العام 1964، وانتبه نجم مثل عبد الحليم حافظ لمدى شعبية الملحمة فقرر أن يغنيها بعد محمد رشدي.

كتاب حياتي

حسن الأسمر
حسن الأسمر

في نهاية عصر الانفتاح وبداية مرحلة السُبات الثمانيناتي كان الفن الشعبي ينتظره منحنى مختلف، منحنى غارق في الذاتية بعيدا عن الملاحم، منحنى مهتم بالحزن اليومي في ظل تغير التركيبة الاجتماعية للسكان، الذين أصبح الملايين منهم يشعرون بظلم معيشي مباشر ويتعيشون معه خوفا من ظلم أكبر، وهنا ظهر جيل من الفن الشعبي مختلف عن محمد طه ومحمد رشدي، وتزعمه ابن محافظة المنيا أحمد عدوية، وقدم مواويل خفيفة تتكلم عن “بنت السلطان” و”راحوا الحبايب”.

إقرأ أيضا
رومان بونكا

في العام 1986 صدرت الأغنية الشعبية التي تربعت على قلوب كل المظلومين في مصر بل في الوطن العربي، “كتاب حياتي” للفنان حسن الأسمر ابن حي العباسية بالقاهرة، الذي تشبه ملامحه وصوته ملايين المصريين في ذلك الوقت، وتشبه كلمات أغنياته ملايين القصص داخل كل البيوت المصرية.

وظلت “كتاب حياتي” صديقة المصريين في كل المراحل الانهزامية التي عاشوها من الثمانينيات وحتى ثورة 25 يناير، وظلت معانيها جواز مرور أي مطرب شعبي، مثل “موال الزمان” لحكيم، و”شارع الحياة” لطارق الشيخ، وغيرهم من نجوم الفن الشعبي.

 

عدت الأوقات

اللي لسه بتوفي ليهم
واللي قلبك مشتريهم
لسة عيبهم برضوا فيهم
جوا منهم اه سواد

اقرأ أيضًا 
قصة العجوز الذي سرقه حسن شاكوش

بهذه الكلمات حاول المغني الشعبي الصاعد حسن شاكوش أن يجد مكانا بين عمالقة الفن الشعبي، متكئا على المظلومية كموضوع لأغنياته، لكن مثل هذه الأغنيات أصبح لدى المستمع منها “تخمة”، حتى لجأ شاكوش للاندماج في تيار آخر صاعد يفتح له المستمع المصري قلبه وأذنيه، المهرجانات.

تعتبر المهرجانات، بمقاييس الفن المعتادة وأدوات النقد الفني المعلبة الجاهزة، أقل قيمة من الفن الشعبي حى الذي يقدمه كتكوت الأمير وحمدي باتشان صاحب رائعة “إيه الأساتوك ده”، أو هكذا يرى أغلب كبار الفنانين والنقاد، لكن الشارع كان له كلمة أخرى، وسرعان ما رفع إلى السماء أغنيات المهرجانات، بخاصة تلك التي تحمل المأساة والشعور بالظلم من الآخر.

عدت الأوقات وعمرنا ضاع على الفاضي
جوه مني جراح ومش مرتاح ومش راضي
كل ما أفرح يوم ألاقي هموم تحزني
مين يكون لي صديق في وقت الضيق يشيل عني

يقود “شاكوش” فريق أغنية “عدت الأوقات”، لينضم إليه “حمو بيكا” و”علي قدورة” و”نور التوت”، على إيقاعات مايسترو الساحة حاليا فيجو الدخلاوي، لتحقق الأغنية الحزينة/السريعة أكثر من 120 مليون مشاهدة على يوتيوب في 6 أشهر، بخلاف مواقع الأغاني الأخرى.

اقرأ أيضًا 
شاكوش وآخرون .. سيرة الكفاح المزيف

كيف ظهرت المهرجانات وكيف انتشرت وما هي مقوماتها الفنية؟ هذا ليس موضوعنا الآن، هذه إجابات لن يسعها البحث، لكن ما يعنينا الآن أن الظلم في الفن عموما وفي الفن الشعبي خصوصا خط واحد ممتد من الشعر الجاهلي للمهرجانات، وجواز مرور أي فنان إلى جمهوره، فالإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان، يظلم ويُظلم، فبالتالي أي كلمات تحمل نقدا للظلم أو مواساة للمظلوم مرحب بها داخل وجدان أي إنسان في أي وقت.

على وتر آخر من أوتار الظلم، لعب حسن شاكوش في أغنيته الأخيرة والأشهر “بنت الجيران”، التي لسبب ما انتشرت انتشار النار في الهشيم في وقت قصير، ونقلت المهرجانات إلى منطقة أخرى لم تكن لتطأها، وأصبحت حديث الشارع لأيام وأيام، وتداخل معها كبار نجوم الفن ونقابة الموسيقيين والصحفيون والإعلاميون ونجوم الكرة وحتى المحامون، لمجرد أن شاكوش اشتكى البعد عن حبيبته، وظلمها له بهذا الفراق، هذا كل ما يمكن أن يقال عن هذه الأغنية، فهي تحوي عشوائية أدبية يتعذر معها الإمساك بخط درامي أو مقدمات وأسباب ونتائج، هي “شيء” ينتمي للأغنية، يسمعه الناس ويتأثرون به ويرقصون على نغماته بالتعود، تماما كما يسمعون دقات بائع الأنابيب أو نداء بائع البطاطس غير المفهوم، لكنه يدل على شيء، وهو حزن المطرب العميق، الذي استله من التراث الفني وهاجم به وجدان 100 مليون مصري، ونجح.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان