رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
52   مشاهدة  

الفن كوجبة مفضلة للأطفال (1)

قصص الأطفال
  • روائي وكاتب مقال مصري.. صدر له اربع روايات بالإضافة لمسلسل إذاعي.. عاشور نشر مقالاته بعدة جرائد ومواقع عربية منها الحياة اللندنية ورصيف٢٢.. كما حصل على عدة جوائز عربية ومنها جائزة ساويرس عن رواية كيس اسود ثقيل...

    كاتب نجم جديد


تشير الأبحاث العلمية بأن الجنين بإمكانه أن يستطعم الموسيقى في الشهر الثاني للحمل فيميز بينها وبين الضوضاء..

وفي شهوره الأولى بعد الميلاد يتفاعل مع الأغاني، ويتذوق الفن، ويرتاح له، فهو يساعده على الاسترخاء والنوم.. لعل ذلك ما دفع الحضارات كافة بالاهتمام بفنون الطفل منذ هذه الفترة..

حتى اليوم نناغي الرضيع “ننا هوو” وهي الأغنية المتوارثة من جيل لجيل..

وقد تعلق الطفل بالفنون كتعلقه باللعب، فـ هي وسيلة أخرى للمتعة، ودعوة مفتوحة للبهجة والخيال..

في المقابل استطاعت كل ثقافة أن تنتج فنونها الذي يستهدف الطفل، ففي الشرق مثلاً، سنجد الحكايات الأسطورية: ست الحسن والجمال، أمنا الغولة، الشاطر حسن.. إلخ.

وهي حواديت شعبية متوارثة أيضاً نقلت عن طريق التواتر، مجهولة النسب كعادة الفن الشعبي كـ النكتة، والفزورة، والحكمة..

والحواديت في الغالب خيالية وتدور في عوالم افتراضية وأبطالها من الجن والعفاريت والوحوش حول فرسان وأميرات..

هذا الخيال هو ما جعل للفن أهمية لدى الطفل.. فـ الطفل، في الأساس، المادة الخام للخيال والإبداع والاستمتاع.. يحركه الشغف والمتعة، وهو ما يجعله يفضل اللعب عن التعلم المباشر، والحكاية عن الوعظ..

لذلك لم تغفل الحكايات في كثير من الأحيان تسريب المعلومة أو الحكمة بطريقة مخفية.. وكأنك تدس العسل في العسل..

كنتُ أقول لأبي: “جائع”.

وكان هو يرد: “تعرف مين لبس أمه وركب أبوه وأكل من بطن الميت حي وشرب ماء لا من الأرض ولا من السماء؟”

كانت الأحجية تثير فضولي لدرجة أن الجوع يختفي، يتبخر، ولا يتبقى سوي الشغف للمعرفة..

وتأتي الإجابة في قالب حكاية، عوالم أخرى أعيشها فانفصل عن واقعي. كان والدي حكاء مدهش، وكان يُطعمنا الحكايات، وكانت الحكايات وجبتي المفضلة؟ ووجبة كل طفل أيضًا..

وتطورت تلك الوجبة مع التطور التكنولوجي فوجدوا فيها صناع الفن استثمار ثري على كافة الجوانب.. فـ المتلقي هنا الطفل، وهو جمهور عريض يقدر الفن ويتعلق به لذا فالربح المادي مضمون. وكذلك الربح المعنوي، فأنت تساهم في ثقافة إنسان وتشكيل وعيه.

أما الجانب الفني فهو الأمتع والأصعب، أنت أمام متلقي متفرد، إذا رغب فيك تمسك بك بقوة، وإن رفضك لن تستطيع قوة في العالم أن تجبره عليك.. وهو أيضًا متذوق جيد للفنون، بالفطرة يدرك أن هذا الفن جيد أم لا..

والتعامل مع هذه النوعية تحتاج إلى موهبة خاصة، أن تجمع بين السهل/ العميق الممتع/ الخيالي يحتاج إلى مواهب مميزة ومؤسسات واعية..

ولو تحدثنا على التجربة الفنية العربية للأطفال كـ مثال، سنجد أن المبادرة – كالعادة – من مبنى ماسبيرو الذي تبنى ملف الأطفال من حيث البرامج، الحلقات الدرامية، الأغاني، الفوازير، الاسكتشات.. حتى السياسة كان هناك البرلمان الصغير.

على مستوي البرامج كمثال سنجد: بقلظ/ زكريا عزمي والعظيمة ماما نجوي، ماما سامية… إلخ..

وعلى مستوي الدراما بالتأكيد بوجي وطمطم، كوكي كاك، تعلوب الحبوب.. وهكذا..

ولن ننسي الاستعراضات التي قدمتها صفاء أبو السعود، عبد المنعم إبراهيم، وكوكبة حفل عيد ميلاد أبو الفصاد..

والكارتون أيضاً كان له نصيب، وكان يستورد من دول أسيا.. ولكن، كان يتم انتقاءه بعناية: مازنجر، كابتن ماجد، دولفي الصديق، الفواكه…

تلك الوجبة الفنية المتكاملة كانت تراعي عنصر أساسي.. معرفة سيكولوجية الطفل.

بداية من البطل المرغوب.. المرغوب وليس المفروض.. مثلاً بوجي وطمطم، وهما أخوة بلا أب أو أم، لا يأتي ذكر والدهما أبداً.. دعك من كونهما أرنبة وقرد.. مرحبا بك في عالم الخيال..

هما يعيشان بلا وصاية، وفي حالة مسئولية تامة دون رقابة من الكبير..

وهو ما نجده أيضاً في كوكي كاك.. هذا الكتكوت العملاق الذي لا يتوقف عن الشقاوة والحماقات..

وفي الأعمال الكارتونية نرى كابتن ماجد الطفل اليتيم الذي يطمح لأن يشارك في كأس العالم، والتحديات التي يواجها.. أما ماوكلي فهو تربي مع الذئاب وعاش حياته في الأدغال أصلاً..

تلك هي الشخصية المرغوبة للطفل، أن يخرج من سطوة الرقابة، وأن يصبح واصي بنفسه.. بل، أحيانا، يرغب في أن يكون هو الوصي..

إقرأ أيضا
عماد الدين أديب

وهي شخصيات أخرى ابتكرها التليفزيون المصري، واستعانت بها في برامج الأطفال لتقديم النصائح للطفل بشكل جذاب وغير مباشر.. (الدُمي)..

نذكر طبعاً بقلظ/ زكريا عزمي وشقاوته وماما نجوى التي كانت تلجأ لرأى الأطفال فيما فعله.. وكيفية التعامل كأنهم أوصياء أيضاً، ولو بالرمز..

وهي الرسالة الخفية التي تتسرب إلى الطفل بشكل فني وجذاب.. والأهم، اختيار الشخصية: دُمية.. والدُمي الشهيرة بالتليفزيون ما أكثرها..

ومهم أن نشير للبرلمان الصغير، رغم كونه مسرحي أكثر من كونه برنامج للتوعية السياسية للأطفال ، إلا أننا اكتشفنا معه أن الطفل بإمكانه أن يشارك في السياسة..

هكذا كانت الوجبة الفنية التي تقدم للطفل.. وجبة ممتعة وصحية ومفيدة للجميع.

غير أن تلك الوجبة أصابها العفن بعد انحدار دور التلفزيون المصري، وصعود القنوات العربية الخاصة، والتي لم تهتم بالإنتاج الفني العربي للأطفال.

وإن قدمت شئ، فـ هي تختار الوجبة غير مفضلة للأطفال على الإطلاق.

حيث البطل النموذجي كـ بكار، الخانع، المطيع في مقابلة حسونة الولد الشقي المزعج.. وهو البطل الذي يرغب فيه الكبار ليكون نموذج لصغارههم، وهو الطبل المفروض على الطفل وليس المرغوب..

ثم تأتي فرض الوصاية بالأعمال المقدمة للطفل، فنجد حلقة واحدة من بكار كمثال تحمل سيل من النصائح المباشرة للطفل مع إنتاج ابداعي ضعيف وخيال منعدم..

حتي الدمية تحولت من بقلظ إلى أبلة فاهيتا.. ومن دورس تساهم في تربية الطفل بشكل غير مباشر إلى دروس إباحية بشكل مباشر..

لقد فسدت الوجبة.. والطفل العربي – وهو متذوق جيد للفن- أدرك ذلك.. فانصرف عن وجبتهم. غير أنه، لم ينصرف عن الفن الذي وجدوا بديلا له في الصناعة العالمية..

ووجبة فنية أخري.. بدايةً من والت ديزني ثم بيكسار وظهور توم وجيري والـ… ولكن، تلك مقالة أخرى..

الكاتب

  • عمرو عاشور

    روائي وكاتب مقال مصري.. صدر له اربع روايات بالإضافة لمسلسل إذاعي.. عاشور نشر مقالاته بعدة جرائد ومواقع عربية منها الحياة اللندنية ورصيف٢٢.. كما حصل على عدة جوائز عربية ومنها جائزة ساويرس عن رواية كيس اسود ثقيل...

    كاتب نجم جديد

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان