رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
47   مشاهدة  

حين يجف الطين في هذا العالم لن يخلق الله بشرا بنفس الأخطاء

الطين


1-

على القاهرة أن ” تتلهي على عينها” ، عليها أن تموت خجلا، أن ” تداري وشها بمنخل” أن تضع رأسها في الطين هربا من نظرات القرف التي تحيط بها كسوار من الاشمئزاز . يا بنت الكلاب تملئين شوارك بالأنصاف والخشب المسندة والمنافقين والأرزقية والقوادين ولحاسو الصحون ولا تعطيني مترين من أجل حضن عابر؟ آه يا بنت الكلاب تتركين سائقو التو توك يمزقون خصرك العجوز والعساكر يبتولون على ما تبقى في رأسك من ضفائر فيما تسدين المنافذ على ” ولد مخطوف” يبحث في دروك عن ” 2 كيلو حنان” .. آه يا بنت الكلاب

القاهرة الكلبة، العاصمة الرديئة ، المدينة التي بلا نساء لا يشبهن مواسير الصرف الصحي، القاهرة الغبية فعلتها في الرابعة فجرا. قررت فجأة أن تكون عجوز فاسدة الذوق، قررت أن تعكر صفو علاقة ولد وبنت بالسماء، قررت أن تجعلهما يجوسان خلال الديار بحثا عن ” حضن مسروق” قبل سفر مفاجئ للخارج أربك الحسابات وجعل الحضن ” إيصال أمانة” واجب السداد.

في الرابعة فجرا كانت تتلفت ” القاهرة الواسعة .. القاهرة المهولة .. القاهرة الغبية .. القاهرة كلها .. تترك العالم وتمنعنا من الحضن “. كانت العبارة قاسية، تركيب لغوي ” حرون” يجعل الدم ” يفور” وحين ” احمر عرف الديك” لم يكن من بد سوى البحث عن وسيلة للدفاع عن الوطن أمام انتقاد حارق لعاصمته.

من شارع إلى شارع ومن جملة غير مفهومة إلى أخرى غير مأمونة العواقب كانا يطوفان، يحركان اللسان والشفاه الأربع بسرعة ويتلفتنا بحثا عن ” فرصة”.. وسط ظلام غير كامل ونهار غير مبشر كان المبنى .. مدخل هادئ كأنه ” ريست” للتحليق عاليا.. متواري تقريبا ، خجول بدرجة شجعت اثنين على سداد ” دين قديم” انتهى دون مشاكل بحضن ومتعدد الدلالات.

القاهرة الكلبة كانت تعرف، تحديدا كانت وحدها تعرف أن الخيال له سطوة الجن، وأن “سداد الديون” فرض عين وأن المدخل الخجول لم يكن أكثر من مبنى ملحق بالرقابة الإدارية يعرج فيه البشر إلى السماء خمس مرات في اليوم دون أحضان واضحة.

2-

انتظرته طويلا .. كان يعرف أن مواعيدي ” مضروبة” وكنت أعرف أنه يتصرف في المواعيد بما يليق برجل عشق 3 إنجليزيات وشاركني في الرابعة. أمام المقهى كنت مضطرا للجلوس. المبارة كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة وفريق الأهلي ( فريقي البديهي ) يلعب دقائق أخيرة قبل انتهاء الشوط الثاني أمام فريق تونسي اظنه الصفاقسي. سرحت قليلا وانا اتصور لقطات لم تحدث ” صاحبي يتأخر لأن سيارة دهست كبده بينما أجلس هنا أشرب الحليب البارد دون سكر .. جهاز التلفزيون الذي أمامي بداية ممر طوووووويل يفتح على الاستاد.. المتفرجون مجموعة من الكائنات الفضائية جاءت لإحتلال الكوكب ثم تعلق قلبها بحتة جلد منفوخ يجري خلفها 22 لاعبا يرتدون ” هوت شورت” في عز البرد “.

أفقت من خيالي على صراخ المذيع ” جووووووووووووووووووووووووووووووووووووون .. الله عليك .. يا حبيب والديك .. تسلم البطن اللي شالت .. تسلم الإيد اللي ربت .. تسلم الرجل اللي شاطت” تصورت أن علي مشاركة الجميع أفراحهم .. وقفت صارخا ” جووووون ” لأجدني محاصرا بنظرات العداء غير المفهومة .. خشيت أن يكون الهدف قد دخل في مرمى ” غير مرغوب فيه ” .. فكرت في صديقي ” عاشق الانجليز ” وتمنيت أن ينجيه الله من حادث السيارة الخيالي لينقذني من الموقف المحرج.

رجل في الأربعين من عمره يرتدي فانلة الزمالك ربت على كفتي قائلا :” من حقك تفرح يا بيه .. والمصحف من حقك .. جون في آخر ثانية والماتش مربوط .. معمول له عمل .. عموما اقدر اقولك مبروك .. يا استاذ دا ربنا بنفسه معاهم .. حد يقدر يعترض.. يا بيه الأهلي قدر ربنا “.

3-

إقرأ أيضا
مهد البشرية

قرر أن يترك كل شيء خلفه، من المنيا خرج ، من قرية دبغها النيل بالزرقة ، من الفقر والجهل والتخلف إلى رحاب الاسكندرية الواسعة. خرج ولم يعد ، كان مهدود البدن ، مشقوق الروح ، مكتوما بأمر ضابط اجبره على التوقيع على ورقة بيضاء في مكتب أمن الدولة بمركز سمالوط وتركه يرحل كزجاجة تبخر ما بها فجأة. جاء إلى الثغر بحثا عن ” روح تملء روحه ” فتش في اللاجيتيه و الأنفوشي وكوم الدكة والعصافرة قبلي حتى عرف أن لا شيء يملء روحه.

خرج إلى الحياة ” السكندرية” غريبا عن الناس، ملهوفا على المزيد من الفرار، مشحونا ببوح لا يمكنه التحدث به، قابلته صدفه، وحكى لي بهدوء ” انا عايز اعدي الناحية التانية ” قلت له إن الهجرة إلى إيطاليا لن تنفعه كثيرا، فهو بلا مؤهل معتبر ، وليست لديه لغة ولا حتى أموال يدفعها لتجار الرقيق الأبيض. تنهد بعمق وقال للمرة الثانية ” عايز أعدي الناحية التانية”.

افترقنا على الصمت ، منذ 4 سنوات لم أسمع عنه شيئا ، صديق مشترك تذكره فجأة ” ياااااااااااااه إنت لسه فاكر.. دا انتحر من 3 سنين في الحمام.. الله يرحمه بقى كان عايز يرجع بلدهم”.

الكاتب






ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
‫إظهار التعليقات (2)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان