رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
485   مشاهدة  

دعوة لتقليل أعداد المُشوّهين نفسيًا

دعوة

لا يحتاج الأمر أن تكون باحثًا متخصصًا في علم الاجتماع كي تدرك أن هناك “شيء ما” يتغير للأقبح في التركيبة المجتمعية المصرية التي نحيا فيها الآن.. هناك شيء ما يتغير ببطء، لكن بشكل جذري؛ هناك قيم تختفي، لتحل مكانها قيم أخرى، وكأن الأمر يمكن تلخيصه في نزع مفهوم التراحم، بمعناه الشامل، لتحل في موضعه قيم القسوة بامتداها القبيح لكل شيء في الحياة.

 

الرحمة أصبحتْ تُصنَّف ضعفًا، القسوة سلاح المنتصرين، حتى أن لفظ “التنمُّر” صار من ضمن “التريندات” الرائجة، حيث يُستخدم بشكل اعتيادي في “الكوميكس” الساخرة التي يتبادلها مستخدمي وسائل السوشال ميديا المختلفة، خاصة الشباب منهم.

 

أتصفح أخبار الحوادث في مصر كل يوم.. هناك “شيء ما” غير مريح.. نعم منذ الأزل هناك جرائم، بعضها بشع، لكن منذ متى عرف المجتمع المصري انتشار جرائم العنف الجنسي ذات التفاصيل العجيبة، مثل “اغتصاب المحارم” بهذا الشكل المتزايد؟ وأحيانًا تكون كينونة “المِحرم” ما هي إلا طفلة لم تبلغ أنوثتها بعد!

 

في أسى، أحصيتُ 3 حوادث قتل ضحاياها مراهقين لم يكملوا 18 عامًا، ومَن قتلوهم في مثل سنهم أيضًا، 3 جرائم ضحاياها ومرتكبيها لا زالوا قانونًا في سن “الطفولة” جرت وقائعها خلال ما يقارب الشهر ونصف فقط.

 

لجأت لطبيب نفسيّ أثق في عِلمه، أحاول فهم واستيعاب ما أرصده يوميًا من سعار “التوحُّش” الذي يستشري يوميًا من حولي.. في 2003 أصدر الكاتب والشاعر السوري “ممدوح عدوان” كتابه المهم “حيونة الإنسان”؛ راصدًا من خلاله الكيفية التي يمكن أن تُنتزع الإنسانية من صاحبها، لتحل مكانها قيم الحيوانية، هنا نحن أمام حالة توحُّش تفوق الحيونة، تتمثل في إطلاق الغرائز الحيوانية في أبشع صورها وحشية.

 

سألته: بعيدًا عن الضغوط الاقتصادية، وبالتأكيد ليها تأثير كبير على إخراج أسوأ ما في الإنسان، لكن أنا بتكلم عن سبب ممكن يكون رئيسي ورا حالة التوحُّش اللي بتظهر حتى عند أجيال من الشباب لسه مبيدفعوش ضريبة الضغوط الاقتصادية دي.. إيه السبب اللي ممكن يكون ورا الحالة دي بشكل عام؟

 

جاءتْ إجابته واضحة: التربية.. للأسف قلة قليلة من المجتمع حاليًا اللي بتربي ولادها بحب.. الناس بتبُص لفكرة حاجة ولادهم للحب، بالذات في السن المُبكرة وهما لسه وعيهم بالعالم بيتكوِّن، إنها شيء هامشي ورفاهية وجو دلع.. تخيل تلاقي راجل كبير محترم والده متوفى مثلًا من فترة قريبة، ولما تسأله متلاقيهوش فاكر إن أبوه حضنه في حياته قبل ما يفارق الدنيا! شباب كل علاقتهم بأبوهم وأمهم الخوف، والحرص على إنهم يخبوا كل تفاصيل حياتهم عنهم.. أنا بيجيلي ناس عايشين تحت سقف واحد مع أهالي حرفيًا ميعرفوش عنهم حاجة، ميعرفوش مثلًا إن بنتهم بيتم استغلالها في علاقات غير سويّة، لأنها للأسف جعانة للحب وإنها تسمع كلمة حلوة، أو إن ابنهم بيضَّحك عليه من بنت واتنين لغاية ما يكره فكرة الحب من أساسها، لمجرد إن كل واحدة فيهم بتبقى شاطرة إنها تمدحه وتسمَّعه الكلام اللي كان نِفسه يسمعه عن نفسه في بيته، مِن وهو لسه عيل صغير.. إحنا جعانين للحب، يمكن لو كان الأهالي بيحضنوا عيالهم كويس، وبيحسسوهم بحبهم قبل أي حاجة تانية، كان نُص اللي بيروحوا لدكاترة نفسيين محتاجوش ليهم.

 

أنهيتُ مكالمتي معه وفي نفسي مرارة، لاستيعاب ما كنتَ تخشى الاعتراف به أمام نفسك مرارة.

 

إلى ماذا يمكن أن يصير الإنسان إذا ما تربى في معزل عن الحب؟ بالمعنى الحقيقي للحب، الذي يُغرَس في نفس الطفل بالممارسة لا بالكلام.. يقولون أن الأطفال يتعلمون بتقليد الكبار، أكثر مما تُعلِّمهم الدروس المُلقاة على مسامعهم.. هل نكبر ونقلِّد الحب الذي نراه أمامنا؟ هل ما تزال معظم البيوت المصرية قائمة على دعائم المودة والرحمة، التي طالما غلَّفت بيوتًا لم تعرف الثراء، لكنها عرفت الرضا؟

 

إقرأ أيضا

هناك “شيء ما” يتغير للأسوأ، للأكثر توحشًا ومادية وشهوانية.

اقرأ أيضا

كيف ضاعت الفرصة الوحيدة لأن يكون أمل دنقل ممثلًا سينمائيًا؟

 

في فيلم “النوم في العسل” لكاتبه “وحيد حامد”، يجيب الدكتور على تساؤل الضابط حول ما يمكن أن يحدث للبشر إذا ما عاشوا دون أن يمتلكوا العاطفة تجاه بعضهم البعض، أن النتيجة ستكون إخراج أسوأ ما في الإنسان، وترتفع معدلات الجريمة، تنعدم الرغبة في الحياة، تقل القدرة على العمل، يموت الإحساس، وقد لا تتبقى لنا غريزة حقيقية نستمتع بها إلا الأكل، مثل الخنازير.

قد تتعدد الآراء، والمخاوف، ووجهات النظر حول الأسباب وطرق علاج أزمة “التوحُّش” التي نحيا فيها، إلا أن التاريخ يقول أن المجتمعات التي تفقد قيمة الحب، ومعه تفقد الإيمان بمنظومة قيم التحضُّر إجمالًا، تأكل نفسها، ويفعل أهلها بأنفسهم ما لا يقدر على فِعله أكثر أعدائهم شراسة.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
3
أحزنني
1
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان