رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
4٬315   مشاهدة  

شريط شبابيك : صك الغفران الذي محى كل خطايا محمد منير

شريط شبابيك
  • ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال


Share

شكلت وفاة عبد الحليم حافظ أزمة وارتباكًا فنيًا في سوق الغناء المصري، بدأت محاولات فردية لوراثة عرشه سواء من هاني شاكر أو محرم فؤاد، لكن في النهاية لم ينجح أحد في الوصول لأبعد مما هو فيه، وبدأت تساؤلات هل انتهي عصر الطرب بالفعل، وهل نحن بحاجة إلي مخاض جديد ينتج لنا تيارًا مختلفًا من الغناء يتسق مع التغييرات الجوهرية التي حدثت في المجتمع المصري.

على عكس المتوقع اتجه المزاج العام نحو الفرق الغنائية التي تخرج قادتها من الفرق الغربية التي كانت تعيد تقديم الأغاني الأجنبية الشهيرة في النوادي والملاهي الليلية وكونت جمهورًا ضخمًا، تلك الفرق سحبت هذا الجمهور إلي الموجة الجديدة التي تزامنت مع ثورة الكاسيت وتوسع منافذ الانتاج الخاص.

على هامش هذا المشهد كان الثلاثي عبد الرحيم منصور والملحن أحمد منيب والمطرب فاروق منير، يحاولون تدشين تجربة جديدة يعيدوا فيها تمصير بعض الأغاني النوبية على نطاق محدود في التجمعات والندوات الثقافية، دعي إلي أحدها الموسيقار بليغ حمدي وهناك شاهد محمد منير يغني ويعزف الدف خلف شقيقه الأكبر فاروق.

صب بليغ اهتمامه على محمد منير، ويبدو أنه التقط شئ ما جعله يقول “هذا الفتى هو من سيكون له شأن في المستقبل”، كانت تسيطر على بليغ فكرة إيجاد بديل لعبد الحليم، تبني العديد من الأصوات الجديدة مثل “على الحجار” و”محمد الحلو” وهي بدائل قد تكون منطقية من ناحية طبيعة الصوت والأداء، لكن المفاجأة أنه اختار محمد منير كي يكون البديل المنتظر!

اهتمام بليغ بمحمد منير جعل فاروق يتخلى عن حلمه لصالح شقيقه الأصغر، وبدأ بليغ استعدادته لتقديمه مع على الحجار فى حفل رأس السنة الذي شهد انطلاق أغنية الحجار الأولى “على قد ما حبينا” لكن فاروق الرافض لأفكار بليغ حمدي ورؤيته تجاه المشروع البعيد كل البعد عن خلافة عبد الحليم أشار إليه بالتريث قليلًا، وطلب من عبد الرحيم منصور الذهاب إلى هاني شنودة الذي يحمل كمًا من الأفكار الثورية المتمردة المناسبة للمشروع ليخلصه من تلك الأفكار وتتغير مسيرة منير إلى الأبد.

 تحمس شنودة إلي المشروع وأخذ منير من يده وطاف به على العديد من شركات الإنتاج، قوبل بالرفض والعنصرية من بعضها، حتى استطاع إقناع ملاك شركة سونار بتبني التجربة متسلحًا بتجاربه الناجحة وقتها، ظهر الشريط الأول “أمانة يابحر” بتوقيع الثلاثي عبد الرحيم منصور وأحمد منيب وهاني شنودة مع ظهور أول لسيد حجاب في”ايه يا بلاد يا غريبة”

صادف الشريط سوء حظ بسبب خلل في الصوت جراء نقله من الاسطوانات الفينيل إلي خام الكاسيت، حتى أقنعهم شنودة بتكرار التجربة في شريط “بنتولد” الذي حقق نجاحًا ضخمًا عوض فشل الشريط السابق، الذي أعيد إصداره مرة أخرى تحت مسمى جديد “علموني عنيكي”.

قدمت المجموعة تجربة جديدة على ذوق المستمع المصري، أشعار عبد الرحيم منصور تنوعت مضامينها ما بين إنساني واجتماعي وعاطفي غير مباشر، وألحان منيب ذات الطابع الخماسي وتوزيعات شنودة التي اتجهت نحو  الغرب بدمج السلم الخماسي مع الروك والبوب وطريقة غناء مختلفة من منير بلهجته الهجين ما بين النوبة و القاهرة و مظهره البسيط الذي لا يعكس شكل المطرب الذي يرتدي بدلة كلاسيكية كاملة، كان المشروع ثوريًا كسر قالب الأغنية التقليدي المحصور في القالب العاطفي المباشر وانتج لنا أغنية جديدة تمامًا.

بعد تجربة الشريطين أحس شنودة أنه فعل ما كان مطلوبًا منه، ووضع قدم منير على الساحة وحان الوقت للتفرغ إلى مشاريعه الشخصية المتمثلة في فرقة المصريين والموسيقى التصويرية،وقبل أن يرحل قدم “يحيى خليل” العائد لتوه من أمريكا ليقود المشروع من بعده.

خليل القادم من أمريكا وهو يحمل أفكارًا جديدة عن كيفية إدارة المشاريع الغنائية، شرع في تكوين فرقته تحت مسمى فرقة “يحيى خليل” وبدأ مع عبد الرحيم منصور ومجدي نجيب وأحمد منيب تجهيز الطلعة الجديدة في شريط “شبابيك”

هذا العام يكون قد مر أربعون عامًا على صدور شريط “شبابيك” الذي رسخ أقدام منير أكثر في سوق الغناء، ومنح تجربته طزاجة وتفرد، هذا الشريط الذي يعتبر أنجح شرائط منير على الإطلاق وأكثرها استماعًا حتى الأن، لازال ينثر سحره على الجميع بل أنك في كل مرة تعيد الاستماع إليه تبدو وكأنها أول مرة، كان ثورة من كل النواحي سواء في اختيار مضامين الأغاني والتناول الموسيقي الثوري وهندسة الصوت المتطورة جدًا، شبابيك هو أقصى تطور وصلت إليه الأغنية البديلة في مصر وكل ما أتى بعده كان محاولات للسير على خطاه.

شريط شبابيك تجربة أصلية تمامًا لم تنسخ نفسها من تجارب سابقة، جاءت في ثمان أغنيات دسمة على مستوى الكلمات والمفردات التي كتبها أهم شعراء العامية في مصر على رأسهم إمام الشعراء فؤاد حداد وعبد الرحيم منصور الأب الروحي للتجربة مع رفقاء الدرب مجدي نجيب شوقي حجاب، مع أربعة ألحان أحمد منيب وظهور أول لكلاً من حسين جاسر وعزيز الناصر بالإضافة إلى استعادة أغنية “أشكي لمين” ألحان بليغ حمدي، ثم التنفيذ الموسيقي الذي قامت به فرقة “يحيى خليل” والتي بذلت مجهودًا خرافيًا على مدار سنة كاملة من البروفات للوصول إلى هذا الإخراج الموسيقي المبهر و المتطور جدًا عن زمنه.

اقرأ أيضًا

ألبوم نور العين : جسر العبور إلي القمة 

الليلة يا سمرا

يفتتح الشريط بأغنية “الليلة ياسمرا” التي غناها سابقًا المطرب محمد حمام داخل معتقل الواحات احتفالًا بميلاد المناضل الشيوعي “زكي مراد”،الأغنية كتبها رفيق حمام في الزنزانة”فؤاد حداد” و فكرة كتابته لأغنية حدث لو تعلمون عظيم. رغم قسوة ظروف كتابة الأغنية إلا أن الكلمات لم تعبر عن الغضب تجاه الوطن بل جاءت في أجواء احتفالية تحمل زهوة الانتصار الذي قد يتأخر لكنه قادم لا محالة بمفردات حداد طازجة وجديدة على قاموس الأغنية تم اختيار ثلاثة مقاطع منها فقط وغنى منير مقاطع مختلفة في ألبومه مشوار الصادر عام 1991.

لحن أحمد منيب بسيط جدًا من فكرتين على مقام الكرد يبدأ من الصفر في جملة المذهب البسيطة ثم تتصاعد مع لحن الكوبليهات الموحد.، هذا اللحن البسيط أعطى الفرصة للفرقة كي تقدم نفسها بشكل لافت في المقدمة التي تبدأ بجملة بسيطة من الكيبورد تشبه الصفارة تتكرر عند تقديم كل اّلة، حيث يدخل الإيقاع ثم الإلكتريك جيتار ثم الباص جيتار ويختتم بالكيبورد الذي يعزف الجملة الرئيسية المستوحاة من اللحن.

التنفيذ الموسيقي بسيط حد التعقيد، عزف عزيز الناصر المصاحب للفاصل الموسيقي غير معتاد لا يعزف كوردات على سلم المقام بل ميلودي يصلح لأن يكون صولو منفرد، هذا العزف أعطى ثقل للهارموني مع خط قوي من الباص جيتار.

الأغنية سارت على نفس الوتيرة لمدة ثلاث دقائق حتى تفاجئنا الفرقة برفع الموسيقي نصف تون مع صولو ارتجالي من الإلكتريك جيتار مستوحى من روح الفاصل كسر ملل المقدمة وكأنه يعيد إحياء الأغنية من جديد ليعيد منير غناء كوبليهين “خلي الندا” بمصاحبة الإيقاع فقط،  ثم”الليل يصبح” تشتبك الفرقة مجتمعة حتى تتلاشى الموسيقي وتنتهي الأغنية.

شبابيك.

عندما يتحدث أحد عن تلك الأغنية تسيطر عليه فكرة واحد فقط هي قصة كتابتها داخل المعتقل وينسى موسيقى الأغنية التي لا تقل أهمية عن الكلمات، كلمات مجدي نجيب محت الصورة السلبية عن أشعاره غير المباشرة حيث انتشار القصة جعل من السهل إسقاطها على أزمته الشخصية مع الوطن وقت الاعتقال وشرحت ما لا يمكن فهمه بداخلها على العكس من أغانيه الأخرى التي يتسم بعضها بالعشوائية في الصور والمفردات تجعل المستمع يتوه ولا يركز على فكرة بعينها.

لحن منيب متنوع الأفكار وثق الحالة موسيقيًا بشكل مدهش، المقدمة والمقطع الأول على مقام العجم، ثم ينتقل إلي الكرد في الكوبليه الأخير، هذا الانتقال وصف كم الأحاسيس المتناقضة التي يعيشها البطل الذي يحمل غضب ويأس تجاه الوطن إلا أنه في نفس الوقت متيم بحبه لأقصى درجة.

تبدأ الموسيقى بخط الوتريات المكتوب بشكل اوركسترالي يشبه الحركات السيموفنية من إبداع فتحي سلامة، يصاحب هذا الخط صولو من اّلة التشيللو في خط منفصل مكتوب حاول أن تعزل خط الوتريات لتستمتع به بشكل منفصل.

كومبو الأغنية “درامز وباص واليكتريك” ثابت طول الأغنية بلا أي ارتجال،لذا كان التحميل كله على الوتريات التي كانت توصف الحالة بحركات متتالية مختلفة، أبرزها في الأجزاء التي ترد على الغناء في الكوبليه الأخير، وفي جزء “دى عنيك شبابيك” الذي كان يمهد لقفلة الأغنية.

شجر اللمون

تستمد الأغنية شهرتها لأنها تحمل كم كبير من التفسيرات التي يسير أغلبها بشكل عاطفي نحو القضية الفلسطينية وعذاب اللاجئ الفلسطيني دون إشارة واضحة لذلك، ولا أعرف لو كان يقصد فلسطين بشكل مباشر لكتب شجر الزيتون بدلًا من الليمون.

لن نحاول وضع تفسير واضح لتلك الأغنية، لكن بالرجوع إلى أشعار عبد الرحيم منصور سنجدها تتحدث من منطقي جماعي إنساني “بينا للفرح بينا” “حزن البشر ده حزننا” “لو نروق هيجينا كل ما اتمنينا” وهي تشير إلي اهتمامه بمشاكل الإنسان مع العالم وأزماته التي لا تنتهي، وهو ما تفسره الكوبليهات التي تبحث عن جسور للتواصل وقبول الأخر وهو السبيل لإصلاح العالم دون إراقة مزيد من الدماء.

الأغنية هي أول لحن باللهجة المصرية للملحن أحمد منيب بعد أن كانت ألحانه باللهجة النوبية وعربها عبد الرحيم منصور، اللحن تعبيري جدًا على مقام الكرد بجمل متنوعة وثرية جدًا،التنفيذ الموسيقي كان المقصود أن يكون بسيطًا حتى يجعل صوت منير البطل الرئيسي.

بدأت الموسيقى من أعلى إلى أسفل بصولو من الكيبورد يهبط ليسلم جيتار أكوستيك الذي سيصاحب غناء منير  طوال الأغنية بكوردات مزخرفة بشكل عبقري من عزيز الناصر .

كريشندو “قد و قد”

تأتي كريشندو لتعلن عن ميلاد تيار الأغنية البديلة التي تلعب فيها الموسيقي الدور الرئيسي لدرجة أن تسمى على نمط لحنها “كريشندو” وهو بتعريف مبسط “لحن يبدأ بشكل تصاعدي حتى يصل إلى الذروة في نهاية الجملة الموسيقية”

الأغنية هي أول أغنية عاطفية نقابلها في الشريط كتبها الشاعر شوقي حجاب جسدت الحب والرومانسية من منطق جديد ومغاير عن الشكل التقليدي الذي يحصر الأغنية العاطفية في السهر والسهد والشوق واللهفة المبالغ فيها.

الكلمات صبت ككتلة واحدة دون تفريعات “مذهب وكوبليهات” بنفس القافية ما عدا أخر أربع شطرات التي مثلت حالة التصاعد الموسيقي.

التيمة اللحنية المميزة صاغها يحيى خليل على سلم النهاوند تقترن فيه الجمل ببعضها البعض بشكل متتالي تصاعدي وتماسك شديد،تعيد الفرقة تعريف نفسها في المقدمة التي تبدأ بالدرامز ثم الجيتار الاليكتريك ثم الكيبورد وخلفهم باص جيتار  برع في تنويع تكنيكات العزف ما بين الـ Slap  و الـ Funk بعد ثلاثين ثانية يظهر خط ثاني من الإلكتريك جيتار في عزف جملة مؤثرة جدًا ثابتة في الخلفية مع كوردات الكيبورد وهي المقدمة التي سلمت الغناء بسلاسة لمنير.في الفاصل الأول يدخل كيبورد فتحي سلامة بجملة خاطفة خارج السلم كانت نقطة انطلق منها منير لإعادة غناء المقطع كاملًا،في الفاصل الثاني تنقلنا نفس جملة الكيبورد الخاطفة لدقيقة من السحر الخالص يسكبه جيتار عزيز الناصر بصولو ارتجالي على سلم المانير مؤلف من مقطعين اجتمع فيه خياله الخصب المدهش مع تكنيك عزف عالمي وإحساس بالجملة الموسيقية هذا الصولو يعطينا لمحة بسيطة عن إمكانيات عزيز الناصر الذي يصنفه الجميع كأعظم عازف جيتار مصري في كل العصور.

هذه التحفة الفنية خرجت من أربعة عازفين فقط،بأدوار محددة وتربيط مدهش ومهما جرت محاولات لإعادتها لن تخرج بتلك العبقرية ويمكن الاستماع إلي نسختها الجديدة التي نفذها يحيى خليل منفردًا لندرك الفرق الواضح بينهما.

أشكي لمين.

استعادة لأغنية محمد الحلو مع تغيير بعض المفردات وإضافة كوبليه جديد، هناك أقاويل أن تلك الأغنية أعدها بليغ حمدي لمنير لكن الحلو هو من ظفر بها.

إقرأ أيضا
هاني شاكر

كلمات عبد الرحيم منصور وبليغ حمدي “ابن النيل” تسير خلف منطق الهم الجماعي العام، وكان لسان حال المقهورين والمطحونين في الدنيا التي تتلاعب بالكل وفق منطقها الغير مفهوم أحيانًا، لكن ومع ذلك فهي لا تنسي أن تمنحنا الأمل والقدرة على مواصلة الرحلة.

لحن بليغ بسيط وشجي على مقام الحجاز من فكرتين في المذهب والسينو ثم يتكرر في الكوبليهات بنفس الترتيب،التنفيذ الموسيقي أخذ اللحن إلي منطقة جديدة بعيدة عن النسخة الأصلية، تم استبعاد خط الوتريات في المقدمة الأصلية ليحل محله صولو جيتار عبقري على نفس المقام، ثم الكورال الذي اختفى ليحل محله الكيبورد بنفس الجملة،الفاصل الموسيقي من الكيبورد هو نفس جملة المقدمة ، ثم يأتي الدور على الإلكتريك جيتار للارتجال في صولوهات مدهشة الأول على مقام النهاوند في الفاصل الثاني، ثم تغيير ميزان الإيقاع في ختام الأغنية بصولو تفاؤلي حالم جدًا على مقام النهاوند أيضًا وكأنه يبشرنا بنهاية سعيدة تبتسم لنا الدنيا فيها بعد أيام صعبة مريرة، نقطة الضعف الوحيدة في التنفيذ هو صوت الطبلة في الإيقاع المعزوفة بتكنيك ضعيف جدًا.

يازماني.

كلمات مجدي نجيب تعبر عن مناجاة شخصية يبحث فيها عن الوصول إلي بر أمان وعقد مصالحة مع الزمن الذي يعطيه الأمل ثم يخلف وعودة ويطيح بأحلامه على صخور الواقع المؤلم.

لحن الأغنية عضو الفرقة عزيز الناصر الذي صب اللحن والتوزيع على نمط موسيقي” السايكديلك روك” وهو شكل جديد نراه لأول مرة فى أغنية مصرية،اختار عزيز مقام العجم ليعطينا جملًا تعبيرية تماهت مع فكرة الكلمات الذاتية جدًا، تنقل فيها بخفة وسلاسة ليعرج على النهاوند في جزء “إياك تنساني” هذا الانتقال السلس ينم عن فهم واضح للتأليف الموسيقي واختيار  التنفيذ على هذا النمط يشير إلى انفتاحه بشكل مدهش على التغييرات الموسيقية التي حدثت في العالم.

يصاحبنا جيتار عزيز الناصر طول الأغنية صولوهات غير متكررة والذي عكس لنا حالة البطل وعبر عما يكمن في داخله ولم يستطيع الافصاح به، يتألف معه بقية أعضاء الفرقة من كيبورد فتحي سلامة الذي يعزف وتريات هلامية في الخلفية مع خط باص جيتار و درامز قوي جدًا.

ع المدينة.

كلمات عبد الرحيم منصور عبرت بشكل جدي عن حالة صناعها وحالة الاغتراب التي عاشوها في مدينة كبيرة تقتل الأحلام مدينة ذات قلب بارد ووجه أسمنتي أجوف.

فكرة الأغنية كانت تسير خلف تيار الحديث عن الغربة والحنين إلى الوطن والذي انتشر بشكل أوسع في وقت كانت الهجرة الجماعية خارج البلاد العربية على أشدها،  وبدأ هذا التيار مع المطرب الليبي الكبير أحمد فكرون ومن بعده ناصر المزداوي، وإن كان هنا من السهل إسقاطها بشكل داخلي على قضية تهجير النوبيين وقت بناء السد العالي، هذا التناول سبق وأن قدمه منير في شريطه الاول في أغنية “يابلاد يا غريبة” والتي مثلت الجزء الاول من معاناته مع الغربة لكن تظل ع المدينة هي الأنضج فنيًا. 

لحن أحمد منيب على مقام النهاوند بجمل شجية جدًا عبرت عن الغربة والمعاناة، بدأت موسيقى الأغنية بخط وتريات عبقري كتبه فتحي سلامة، وبين قدرته على توصيف الكلمات بالوتريات خصوصًا في الجزء الذي يصاحب الغناء في شطر “لفوا بينا وجينا هنا” وكأن الوتريات تأخذنا معها في حركة دوران عبقرية، ضيف على ذلك حالة التناغم القوي جدًا بين الكومبو  خصوصًا الباص جيتار الذي اختار تكنيك الـ Slap في قفلة الكوبليهات “مش هيكدب صدقنا” وكأنه صرخة ضد صلف وغرور المدينة. 

الكون كله بيدور.

يختتم الشريط بأغنية “الكون كله بيدور” التي هي إستعادة أغنية نوبية عنوانها “اسمر شيرتو” قام بتمصيرها الشاعر عبد الرحيم منصور،الكلمات تحتمل أكثر من تأويل بل يمكن دمجها ما بين عاطفي وإنساني، تعبر عن وجودنا واحلامنا وهمومنا المشتركة تناجي الحبيبة وتشد على كتف الأصدقاء ورفقاء الرحلة، تمنحنا جرعات تفاؤل وبهجة و القدرة على المواجهة واستكمال الرحلة.

على أنغام السلم الخماسي النوبي يأتي لحن الملحن حسين جاسر، لحن رشيق ومبهج وراقص يحمل شعور بالبهجة والتفاؤل،موسيقى الأغنية خليط بين عدة أنماط موسيقية تبدأ بالدرامز على إيقاع التويست مع الصقفة ينضم إليهم البلوز جيتار  في تناغم بديع واستايل عزف متقن من عزيز الناصر الجندي المجهول داخل الشريط، الأغنية تحمل عدة رسائل مباشرة أن الموسيقى لغة عالمية لا تعترف بصدام الحضارات، وأنها أفضل جسر تواصل بين ثقافات الشعوب المختلفة. 

صك الغفران

يظل شبابيك هو درة التاج في أعمال منير، أسس لحركة غنائية جديدة بمعالم واضحة وتأثير موسيقي كان بداية غزو جيل الوسط لسوق الغناء بأفكار ومضامين لم تطأها الأغنية من قبل، وثورة في التنفيذ الموسيقي على يد أربعة عازفين فقط، ثمان أغنيات ابتعدت عن المباشرة في التناول، وكسرت جمود الأغنية التي تسير في فلك مضمون واحد، شبابيك ألبوم تاريخي معني بالإنسان وأزماته الشخصية مع الغربة داخل الأوطان، أغنياته لم تفقد بريقها حتى الأن لم تصنع لتأريخ فترة معينة ولكن صنعت لتبقى صالحة لكل زمان ومكان.

يحدثني أحد الأصدقاء وهو يعتريه غضب شديد بعد أن استمع إلى أغنية جديدة أصدرها محمد منير، و تساؤلاته عن ذبول التجربة و تخليه عن مشروعه المختلف الذي حرره من المقارنات مع كل الأجيال، أهدء من روعه وأقول له عندما لا تعجبك أي أغنية جديدة لمنير ، كل ما عليك أن تعيد الاستماع إلى شريط شبابيك فهو الوحيد القادر على محو أي غضب تجاهه ببساطة يا صديقي شبابيك هو صك الغفران الذي محى كل خطايا منير.

الكاتب

  • محمد عطية

    ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال

Content Protection by DMCA.com
Share

ما هو انطباعك؟
أحببته
22
أحزنني
0
أعجبني
13
أغضبني
0
هاهاها
1
واااو
5
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان