تقرأ الآن
قراءة نقدية في “بنية العنونة” لـ “رواية صليب موسى”

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
84   مشاهدة  

قراءة نقدية في “بنية العنونة” لـ “رواية صليب موسى”

رواية صليب موسى

  • مي محمد المرسي صحافية مهتمة بالتحقيقات الإنسانية، عملت بالعديد من المؤسسات الصحافية، من بينهم المصري اليوم، وإعلام دوت أورج ، وموقع المواطن ، وجريدة بلدنا اليوم ، وغيرهم .

  • مي محمد المرسي صحافية مهتمة بالتحقيقات الإنسانية، عملت بالعديد من المؤسسات الصحافية، من بينهم المصري اليوم، وإعلام دوت أورج ، وموقع المواطن ، وجريدة بلدنا اليوم ، وغيرهم .


حاول “هيثم دبور ” في روايته الأولى” صليب موسى ”  أن يحاكي التقنيات التي أوجدها الإيطالي ” أمبرتو إيكو” في روايته ” اسم الوردة ، أو رواية “شفرة “دافنشي” للأمريكي ” دان براون” ؛ وهو صاحب مدرسة روائية قائمة على تداخل الرموز والألوان وفك الشفرات، هذه المدرسة أقرب إلى أدب الجريمة في حبكته،  يحاوطه التفكيك والتشكيك لكل ما هو ثابت حتى في الثوابت الدينية.

بنية العنونة لرواية صليب موسى 

العنونة في التعريف اللغوي:

عننت الكتاب و اعننته لكذا أي عرضته له و صرفته إليه، و عن الكتاب يعنه عنا و عنننته، كعنونة و عنونته و علونة بمعنى واحد مشتق من المعنى و قال اللحياني، عننت الكتاب تعنينا و تعنينا و عنيته تعينة إذا عنونته، و سمي عنوانا لأنه يعن الكتاب من ناحية و أصله عنان.

قال ابن بري: و العنوان الأثر، قال سوار بن المضرب

و حاجة دون أخرى قد سنحت بها          جعلتها للتي أخفيت عنوانا[1]

العنونة اصطلاحَا:

يعد العنوان ركن أساسيا في العمل الأدبي، ذلك أنه يشكل المفتاح الإجرائي الذي

تتجمع فيه الأنساق المكونة للعمل الإبداعي التي تصب في بؤرة ذات الحالة التكثفية لمجريات الحدث داخل البيئة النصية، من خلال هذه البؤرة تتشضى رؤى القارئ التي يكشف من خلالها عن جمالية الترابط بين عنوان العمل الأدبي و بين تلاحق الأنساق في الأحداث المتبلورة في بؤرة ذلك العمل.[2]

وقد عرف مؤسس العنونة ” لوي هويك” بوصفه مجموع العلامات اللسانية التي يمكن أن ترسم على نص ما، من أجل تعيينه، و من أجل تشير إلى لمحتوى العام، و أيضا من أجل جذب القارئ[3] ، فهو الوسيلة الأولى “لإثارة شهية القراءة” و يمكن النظر إلى العنوان في سياق علاقته بالمتن النصي – بكونه  عبارة عن علامات سيميوطيقية تقوم بوظيفة الاحتواء لمدلول النص[4] .

يرى ” جرار فينييه” (vigner gerar (أن العنوان و النص يشكلان بنية معادلة كبرى، فالعنوان هو النص، أي أن العنوان بنية رحمية تولد معظم دلالات النص، و أبعاده الفكرية والايدولوجية.

أنواع العنوان:

* العنوان الرئيسي

* العنوان الفرعي

* المؤشر الجنسي

فالعنوان الفرعي، هو عنوان شارح و مفسر لعنوانه الرئيسي، أما ما يظهر كمؤشر جنسي، فهو الذي يحدد طبيعة الكتاب، أي تلك الكتابة التي نجدها تحت العنوان مثل (رواية، قصة، تاريخ) و يبقى الأمر الضروري للعنونة هو العنوان الرئيسي الأصلي، الذي يحدد هوية النص[5].

وظائف العنوان:

حدد مؤسس العنونة  ” جرار جينيت ” أربع وظائف للعنوان متمثلة فيما يلي:

1ـ  الوظيفة التعنيني: وهي الوظيفة التي تعين اسم الكتاب و تعرف به للقراء بكل دقة و بأقل ما يمكن من احتمالات اللبس.

2ـ الوظيفة الوصفية: و هي الوظيفة المسؤولة عن الانتقادات الموجهة للعنوان و هي الوظيفة التي يقول العنوان عن طريقها شيئا عن النص[6]

3ـ الوظيفة التضمينية: و هي ذات قيمة تنظيمية تتصل بالوظيفة الوصفية و تتعلق بالطريقة أو الأسلوب الذي يعين العنوان به الكتاب.

4ـ  الوظيفة الإغرائية: تتصل بالوظيفة التضمينية و تسعى إلى إغراء القارئ باقتناء الكتاب أو قراءته و من ثم، فإن ذلك العنوان الذي يلتقي به القارئ لا يستمد دلالته إلا من النظام الذي ينتمي إليه، و بخاصة أنه يستمد قيمته الدلالية من العلاقة البنائية التي يقيمها مع عناصر النظام[7]، فالعنوان إذن هو العتبة الأولى للنص الأدبي و هو في الوقت نفسه، العتبة الأخيرة التي يقف القارئ عند حدودها مطلعا على النص من فوقية ليضع يده على مواطن الجمال الذي أفصح عنها العنوان.

تحليل عنوان” صليب موسى “

يعتبر العنوان مرسلة لغوية، تتصل في لحظة ميلادها بحبل سري، يربطها بالنص لحظة الكتابة و القراءة معا، فتكون للنص بمثابة الرأس للجسد، نظرا لما يتمتع به العنوان من خصائص تعبيرية و جمالية كبساطة العبارة و كثافة الدلالة.

و يعد عنوان الرواية ” صليب موسى ” فضاء سميائيا يفتح الرواية على مكونات دلالية كثيفة، فما إن يتفوه المرء باسم الصليب يتبادر إلى ذهنه الحديث عن المسيحية كونه لها متعارف ماديا ودلاليا بين جميع الفئات والأديان، ثم تأتي الكلمة الأخرى من العنوان وهي موسى، هذ الكلمة فإنها شكلت  نوعا من المفارقة؛ و هنا تتجلى الوظيفة الإغرائية للعنوان من خلال جذب انتباه القارئ و إثارة تساؤلاته: أي موسى يقصد؟  هل يقصد نبي الله موسى، وما علاقة موسى بالمسيحية!، فهو نبي الديانة اليهودية ، هذان للفظتان المتجاورتان تستميل القارئ استمالة عجيبة، كما أن العنوان يمثل دلالة واضحة لمجريات أحداث الرواية.

ويمكن إحالة تجاور الكلمتان عن قداسة الديانتين السماوية داخل مجريات النص، ومن الممن إحالة أيضَا الكلمتان إلى شيء مفارق وهو مكان مقدس ككنائس سانت كاترين القريبة من جدا من جبل موسى تلك الجبل الذي كلم الله فيها نبيه، أو شيء آخر قد تفصح عنه أحداث الرواية ، إذا فعنوان ” صليب موسى ” كان بمثابة المفتاح الذي يفتح به القارئ عالم الرواية للولوج إلى أفكار و أيدولوجيات الكاتب التي مثلها من خلال شخصياته، فاتضحت لنا رؤيته.

الغلاف :

اهتمت الدراسات النقدية الحديثة بأمور شكلية و جمالية في الرواية، و منها تصميم الغلاف الروائي، فهو لم يعد حلية شكلية بقدر ما هو يدخل في تشكيل تضاريس النص بل أحيانا هو المؤشر الدال على الأبعاد الإيحائية للنص[8]

يعد الغلاف الجزء الخفي الذي يتماشى مع المضمون، و ذلك فإنه بمثابة النص الموازي، كما يرى جرار جينيت”، إذ هو عنده ” ما يصنع به النص من نفسه كتابا، و يقترح ذلك هذه الصفة على قرائه، و على الجمهور عموما- أي ما يحيط بالكتاب من سياج أولي و عتبات بصرية و لغوية.

كما تشكل العتبات المحيطة بالنص (الغلاف و ما يشتمل عليه من ألوان و صور مصاحبة، و التجنيس و اسم المؤلف، و مستوى الخط) أيقونا علامتية تشكل الكثير من الدلالات و الإيحاءات، و تعمل بشكل متكامل لتشكيل لوحة جمالية، لجذب القارئ .

تحليل غلاف صليب موسى

يظهر على الوجه الأمامي للغلاف اسم الرواية ” صليب موسى” باللون الأبيض يليه مباشرة  اسم المؤلف باللون الأبيض أيضا، وعلى هامش صغير أسفل كلمة ” موسى” في العنوان تم تحديد جنس العمل” رواية”.

أما شعار دار النشر فجاء أسفل صفحة الغلاف في الوسط  باللون الأبيض” دار الشروق”.

إذا يحتل اللون الأبيض العتبات الأولية للنص، هذا اللون يبعث على الأمل ، الصفاء، الود المحبة ، فهل يشكل هذا اللون ما تضمنه أحداث الرواية فعلا!.

وفي مفارقة سيميائية يظهر اللون الأسود يغطي مساحة كبيرة من الغلاف، ويختلط باللون الأصفر والبرتقالي  ليكونا معا لونا أقرب إلى الأخضر الداكن ، في وسط تدارج الألوان تختلط عباءة الراهب والصليب الذي يحمله على صدره مساحة الغلاف، وعلى عينية عصبه أو تشويش باللون الأبيض.

إقرأ أيضا

إذا هذه اللوحة التشكيلية الذي رسمها آدم عبد الغفار هي انعكاس لمضمون الرواية التي تتحدث عن الصراع بين الأديان والتشكيك في كل ما هو ثابت حتى لو كان رمز ديني، محفوفا بالغموض والبحث ، إذ مثل التشويش على عين الكاتب هذا الغموض والتحري.

أما بالنسبة للألوان التي صبغت بها هذه اللوحة التشكيلية فهي ممزوجة باللون  الأسود و الأخضر الدكن بالإضافة إلى اللون الأبيض ، هذا المزيج بين الأسود و الأبيض تحديدا  يدل على الضبابية و عدم الوضوح و الشك و يأتي الجمع بين اللونين ليعبر عن الحالة النفسية التي تهيمن على شخصيات الرواية، و عدم الاتزان في الحكم و الفوضى و ضياع الأنا حين لم ينل الإنسان من آماله إلا الفشل و الإحباط في زمن عجيب و مكان غريب تتقلب فيهما الحقائق و القيم و يصبح التفريق بين المتناقضين مستحيلا[9].

أما بالنسبة للون الأسود فهو يرمز للحزن، الرعب ، يوحي بالجهل و الوحدة و الغياب و الخفاء و الظلام، الفتنة، العصيان ، التمرد و الانتقام، الحداد الموت، الأناقة في اللباس و يزيد من أثر  اللون المرافق له فغلبت المساحة السوداء على هذه اللوحة الفنية فيعني أن هناك نظرة سوداوية تشاؤمية تدل على عمق المأساة و الواقع الأليم الذي تعيشه الشخصيات[10]، وعن اللون الأصفر والبرتقالي فهما لونان الجذب الانتباه ،والنظر إلى الأحداث وهو متماشي تماما مع أدب الجريمة  والمطاردات التي تقوم عليها الرواية [11].

مصادر ومراجع 

[1]  : ابن منظور ، لسان العرب ، المجلد 10 ، صـ 312

[2] : غنام محمد خضر، فضاءات التخييل مقاربات في التشكيل و الرؤى و الدلالة، ط/ 1، عمان،  مؤسسة

الوراق للنشر و التوزيع، 2011 ،صـ 5 1

[3] : خالد حسين حسين، سيمياء العنوان، د.ت، دمشق، مجلة جامعة دمشق، المجلد 21 ،2005 ،صـ 351

[4] : محمد صابر عبيد، جماليات التشكيل الروائي،  ط/ 1، اربد، عالم الكتب الحديثة، ،2012 ،صـ 26

[5] : فريدة إبراهيم موسى، زمن المحنة في سرد الكاتبة الجزائرية، ط/ 1، عمان  دار غيداء للنشر و التوزيع، 2011 ،صـ 215

[6] : عبد الحق بلعابد، عتبات (جيرار جينيت من النص إلى المناص)، تقديم سعيد يقطين ، ط/ 1، بيروت، الدار العربية للعلوم ، 2008، صـ 86-87 .

: [7] عبد المنعم زكريا القاضي، البنية السردية في الرواية، ط/1، القاهرة، عين للدراسات و البحوث الإنسانية والاجتماعية، 2009 ،صـ 174.

[8] : مراد عبد الرحمان مبروك، جيوبوليتكا النص الأدبي ” تضاريس الفضاء الروائي نموذجا” ، ط/1،  الإسكندرية ، دار الوفاء ، 2002،صـ 124

[9] : رضوان بلخيري: سيمولوجيا الصورة بين النظرية و التطبيق،  ط/1،  الجزائر، دار قرطبة للنشر و التوزيع، 2012 ،صـ 97

[10] : مصطفى شكيب ، علم نفس الألوان: التأثيرات النفسية للألوان، الكويت ،  دار النشر الالكتروني،  2008، صـ9

[11] : السابق نفسه صـ 7

الكاتب

  • مي محمد المرسي صحافية مهتمة بالتحقيقات الإنسانية، عملت بالعديد من المؤسسات الصحافية، من بينهم المصري اليوم، وإعلام دوت أورج ، وموقع المواطن ، وجريدة بلدنا اليوم ، وغيرهم .

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان