تقرأ الآن
ماذا لو عاشت المطربة ذكرى في زمن محمد القصبجي؟

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
158   مشاهدة  

ماذا لو عاشت المطربة ذكرى في زمن محمد القصبجي؟

دائمًا ما كنت أرى رابطًا خفيًا يجمع ما بين الموسيقار الكبير محمد القصبجي وبين المطربة ذكرى، فأحلام القصبجي الموسيقية كان صعب أن يستوعبها أي صوت في عصره، وصوت ذكرى كان أكبر من كل ملحني عصره، من عجائب القدر أن القصبجي رحل في العام الذي ولدت فيه ذكرى، هذا الميلاد الذي تأخر نصف قرنًا كاملًا، فهل كان سيجد القصبجي الرومانسي الحالم بتغيير شكل الموسيقى العربية أحلامه تتحقق على على يد هذا الصوت، بعد رفض أم كلثوم مغامراته التلحينية ومعاندة القدر له برحيل أسمهان وتقاعد ليلى مراد.

دخل القصبجى عالم الموسيقى العربية في وقت كان هناك عدة مدارس مسيطرة على الغناء المصري، مدرسة كامل الخلعي حيث الاعتماد على التطريب القح والزخارف اللحنية، وأبو العلا محمد حيث مدرسة القصائد والإنشاد، وسيد درويش في المسرح الغنائي وتطوير فن الدور، اما قالب المونولوج كان لازال حديث العهد في الغناء العربي، فوجد القصبجي ضالته في تطوير هذا الفن المستوحى من الأريا في الأوبرا الإيطالية،حيث يقف البطل بين حدثين من أحداث الأوبرا ، و يبدأ في بث شكوته ونجواه الروحية لنفسه في استعراض فردي بحت، ويتميز المونولوج بأن الألحان في العادة لا تتكرر بين مقاطعه، هو عبارة عن عدة مشاهد موسيقية متلاحقة يفصلها اللوازم الموسيقية, وضع القصبجي بصمته الأولي في مونولوج “إن كنت اسامح” والذي يعتبر علامة مهمة في المونولوج، حيث منح الموسيقى دورًا اكبر سواء من خلال مصاحبة الغناء أو في المقدمة واللوازم، لم يرتكن إلى صوت المطرب بقدر ما جعل العاطفة التي يبثها غالبة على التطريب، وواصل تطويره في هذا الفن حتى وصل إلى قمته في “رق الحبيب” هذا المونولوج المطلق الذي انطلق لحنه بلا عودة او تكرار في لحنه ووضع به أم كلثوم على قمة الهرم الغنائي العربي.

مثلما كانت أحلام القصبجي كبيرة جدًا في تطوير الموسيقى العربية، امتلكت ذكرى الصوت الذي قادر على تحقيق تلك الأحلام، عزز ذلك قدرتها على أداء كافة الأشكال الموسيقية، بالإضافة إلي جرائتها الفنية في الاختيارات، فبرغم أن بدايتها تواكبت مع ابتعاد الغناء العربي عن التطريب وان المشاريع الغنائية الناجحة لا تمتلك بالضرورة صوت تطريبي قوي، إلا أنها طاردت النغم القوي والجيد في كل بقعة عربية تقريبًا، فزارت سوريا والمغرب واستقرت فترة في ليبيا، ثم انتقلت إلى مصر حيث توسعت شهرتها أكثر، ثم انطلقت إلي الخليج كي تحصد الجيد والقوي هناك وهو ماسبب لها مشاكل عديدة بسبب كشفها لضعف اختيارات المطربات هناك قياسًا على ما كانت تختاره هي.

أقرًا ايضًا … ذكرى الصوت الذي طارد كل شئ في الغناء.

التقت ذكرى بألحان القصبجي لأول مرة في عام 1993، عندما وقفت تحيي حفلَا  لفرقة زخارف عربية وهي في السابعة والعشرين من عمرها، حيث غنت المونولوج الشهير”نشيد الأمل” او كما يعرف ب “يا مجد” هذا المونولوج الصعب جدًا، تسلحت ذكرى بعنفوان صوتها وأثبتت قدرة عجيبة على استيعاب وهضم هذا المونولوج المرهق لأي صوت الذي انطلق لحنه بلا عودة يتخلله 19 تلوين مقامي في أقل من 7 دقائق، و أدت اللحن بشخصية مختلفة بعيدة عن النسخة الأصلية في مغامرة كبيرة لمطربة كانت لازالت  في بداياتها الفنية بلا جمهور عريض يقف في أزرها ويغفر لها سقطاتها، بل أن فشلها كان يهوي بها مبكراً.

وصل القصبجي إلي القمة بـ مونولوج “رق الحبيب” والذي مثل قمة منجزاته التلحينية، فهل تبقى شئ لم ينجزه مع أم كلثوم. في مذكرات الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب ذكر أن أم كلثوم كانت تكره الشذوذ والاغتراب في الموسيقى، ويمكن تفسير مقولة عبد الوهاب في تحليل أسباب ابتعادها عن الإستعانة بألحان القصبجي، حيث عرفت النجاح دائمًا معه لكنها ذاقت مرارة الفشل لأول مرة معه ايضًا، في مغامرة فيلم “عايدة” بل و تدخلت لحذف الجزء الأوبرالي الذي صاغه القصبجي، فهل وقفت أم كلثوم ومعها ذائقة الجمهور التي لم تستوعب فن القصبجي ضد أحلامه.

الغريب أن القصبجي واصل إنجازاته التلحينية في رائعته الخالدة “ياطيور” مع أسمهان ثم جاءت صيحته الأخيرة مع ليلي مراد في “قلبي دليلي” فهل خشت أم كلثوم على مكانتها الفنية فعاندته برفض ألحانه، واكتملت المأساة برحيل أسمهان بعد رفض أم كلثوم ألحانه بثلاث سنوات، تلاه تقاعد ليلى مراد وهما الصوتان الوحيدان القادران على استيعاب قدرات وأحلام القصبجي.

امتلكت ذكرى ما لم تمتلكه مطربة في جيلها بالنسبة لمساحة الصوت بالإضافة إلي جرسه المميز والذي يعتبر بصمة خاصة بها، مع كل هذا امتلكت جراءة مدهشة في استيعاب الأساليب الموسيقية المختلفة، فخاضت عدة مغامرات فنية، فيذكر لي الموزع أشرف محروس أنه كان يحلم بتوزيع أغنية بالأصوات البشرية “أكابيلا” والوحيدة التي وافقت على خوض تلك المغامرة معه كانت ذكرى بعد أن فشلت في أداءها مطربة كبيرة, حتى عندما ذهبت إلي الخليج لم تخشى الوقوف أمام عمالقة الطرب الخليجي مثل “طلال مداح” و”أبو بكر سالم” وصنعت تجربة مدهشة صنفها البعض بأنها أفضل من غنت باللهجة الخليجية.

إقرأ أيضا
رشيدة عبد السلام

من ضمن ما يحسب لذكرى أنها عندما قررت إعادة غناء بعض الأغنيات القديمة لأم كلثوم، لم ترتكن إلي السهل البسيط أو الشائع بين الجمهور والذي يمكن تحديده بأخر عشر سنوات في حياة أم كلثوم الفنية، لكنها كانت تفتش في قديمها وتستعيد أغاني أم كلثوم الصعبة جدًا والتي ادتها في فترة عنفوان وقوة صوتها، فنجدها تغني أروح لمين وتغني على بلد المحبوب بأداء لا يقل جمالًا عن الأداء الأصلي لأم كلثوم، ثم في جلسة فنية في بيتها تغني رائعة القصبجي “منيت شبابي”  بكل اريحية ودون موسيقي هذا اللحن الذي وصفه البعض بأنه أعقد ما لحن القصبجي على الأطلاق.

نعيد التساؤل الذي طرح في بداية المقال، ماذا لو التقت ذكرى بالقصبجي في الأربعينات مثلًا؟ ستظل الإجابة تخمينية لكن من أرشيف الثنائي تظهر الأجابة واضحة هي أن القصبجي كان سيجد ضالته في صوت ذكرى القادر على استيعاب تطويره الموسيقي، وهنا نشير إلي أن ألحان القصبجي لم تكن معقدة بقدر أنها كانت متطورة عن زمنها، فمثلا “يا طيور” لا يمكن تخيلها بصوت غير أسمهان لكن إذا طرح اسم ذكرى سنجد أنها الوحيدة القادرة على غنائها بقوة تقترب من أداء أسمهان، ثم أن ذكرى لم تكن تخشي تجريب ماهو جديد فتغنى لحنًا شرقيًا شديد الصعوبة “أنا شايفة” على إيقاع موسيقى الجاز بشكل جعل أحد المطربات تقول أنها لم تترك لنا شئ لنغنيه، ثم خوضها عدة مغامرات مع ملحنين من كل بقاع الوطن العربي، هذا الثنائي كان ليصنع لنا مجدًا جديدًا في الغناء العربي، وكان سيغير خريطة الغناء العربي لسنوات طويلة، ملحن يبحث عن القمة والوصول إلى ذروة التطور الموسيقى، وصوت قوي طارد النغم الجيد والمختلف طيلة مسيرته.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com
ما هو انطباعك؟
أحببته
3
أحزنني
0
أعجبني
1
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2020, كافه الحقوق محفوظة

اعلى الصفحه
error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان