تقرأ الآن
موسيقى الراي من العزلة إلي العالمية

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
779   مشاهدة  

موسيقى الراي من العزلة إلي العالمية

موسيقى الراي من العزلة إلي العالمية

  • كاتب صحفي مهتم بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

  • كاتب صحفي مهتم بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات


عند الحديث عن عالمية الموسيقى المحلية، دائما ما كانت تطاردنا تلك الجملة “الاستغراق فى المحلية، دائما مايفضى إلى العالمية” ، ومن هنا تأتى أهمية موسيقى ” الرّاي ” أحد الروافد الموسيقية المحلية الجزائرية، التى شقت طريقًا صعبًا جدًا منذ البدايات حتى الوصول إلى العالمية .

وهران مهد موسيقى الراي.

وقت الاحتلال الإسبانى للجزائر، كانت مدينة “وهران” غرب الجزائر، تسكنها أربع طوائف: يهودية، فرنسية، إسبانية وعربية، كان لكل طائفة أسلوبها الموسيقى الخاص، كانت الموسيقى العربية تستمد جذورها من الأندلس، بعد نزوح عدد كبير من المهاجرين العرب من جنوب إسبانيا، بجانب الموسيقى الأندلسية كان للمدينة غنائها الخاص والذى يأتى من القرى والتخوم الجبلية للمدينة وكان يعرف باللون البدوي، كان من أهم رواده “الشيخة طعمة” و “فضيلة الدرزية”، بالإضافة إلى نوعًا أخر يسمى” الملحون” كان يردده الرجال أو كما يعرفوا بالشيوخ، وكان من أهم رواده “الشيخ السنوسي”و”الشيخ مدني”.

لم يتسنى للرّاي الظهور إلا فى أعقاب الحرب العالمية الأولى، بعد تغير الهيكل الإجتماعي للمدينة، وكانت تعرف”وهران” وقتها باريس الصغري، كان معظم المطربين البدو موالين للاحتلال الفرنسي، ولم يكن مسموح للآخرين بالغناء العام إلا فى المناسبات الرسمية كحفلات الزواج، واقتصر الغناء على الرجال فقط فى ظل نبذ المجتمع للغناء النسائي، الذى كان مقتصرًا على السيدات المنبوذات من المجتمع فى الحانات والمواخير المنتشرة داخل المدينة.

بدأ بعض المطربين الانضمام إلى المنظمات الثورية المناهضة للإستعمار، ومن هنا بدأ التمرد على كل شئ، بداية من الشعر الكلاسيكي الراقي للموسيقى الجزائرية التقليدية، وقرروا التعبير عن الحياة الإجتماعية القاسية، والغناء للمحرومين إجتماعيًا واقتصاديًا، بلغة جريئة مبتذلة فى بعض الأحيان، سرعان ما انتشر هذا النوع من الغناء بشكل رهيب، جعله يسيطر على الحياة الليلية للمدينة، واشتق “الرّاي”  اسمه من كلمة “الرأى” والذى كانت الموسيقى تأتى كشكل من أشكال الرفض للحياة التى يعيشها المهمشون داخل المدينة.

فى البداية كانت موسيقى “الرّاي” ” خليطًا من الموسيقى الريفية والترفيهية التى تعزف فى الحانات، وكانت أغلب الأغانى تناهض الإحتلال الفرنسي، وتتحدث عن حقوق المواطن الجزائري المنهوبة من قبل المستوطنين الفرنسيين، فى بداية الثلاثينات، بدأ بعض الفنانين فى دمج أنواع موسيقية أخرى داخل موسيقى “الرّاي”  ، مثل الفنان”بلاوى الهواري” والذى استعان ببعض الموسيقى الأندلسية والآلات المصرية فى خلق نوع جديد من الراى عرف بعد ذلك باللون “الوهراني”، والفنان “محمد بلعربي” والذى أدخل بعض الآلات الموسيقية الغربية مثل البيانو، بحلول الأربعينات ظهرت إلى الساحة الفنية “شيخة ريمتي” والتى تعتبر الأن أحد الرموز التاريخية لموسيقى “الرّاي”  .

بعد إستقلال الجزائر عام 1962، سلكت موسيقى “الرّاي”  مسلكًا جديدًا يتناسب مع المناخ الاجتماعي والسياسي الجديد، عند الحديث عن “الرّاي” فى شكله الحديث، يظهر الأسم الأبرز “بلقاسم بوثلجة” والذى استطاع أن يزحزح الشيخة ريميتي من مكانتها العالية، وينسب له الفضل فى إدخال الآلات الغربية محل الآلات التقليدية، مثل الساكسفون والغيتار الكهربائي والأكورديون، مع دمج الموسيقى مع أشكال موسيقية أخري مثل: الجاز، والفلامنكو، والروك، مع الحفاظ على الطابع المتمرد للكلمات التى يؤديها المطرب.

على مدى عقود تالية، بدا “الرّاي” بوتقة انصهرت فيها أشكال موسيقية عدة، ووصل إلى ذروة شعبيته، وبدأ يقبل عليها كثير من المطربين الشبان الذين أرادو أن يميزوا أنفسهم عن الجيل الأقدم فاستبدلوا لقب “شيخ” بشاب و”شيخة” بشابة وعبروا عن تمرد جيلهم، وكلفهم هذا الصدام مع نظام “هواري بومدين” والذى فرض رقابة صارمة على مطربى الراى لانتقادهم فشل في إصلاح القضايا الاجتماعية والاقتصادية.

الخروج إلى العالمية.

فى أواخر الثمانينات ومع تزايد أعداد المهاجرين العرب من شمال أفريقيا إلى أوروبا، بدأ “الرّاي” يخطو خطوات واسعة نحو الإنتشار خارج نطاق المحلية، وصارت موسيقى “الرّاي” تعزف فى الحانات التى يرتادها المهاجرون سرعان ما بدأت فى اجتذاب الجمهور الأوروبى نحوها، في الوقت الذي أقيم فيه المهرجان الدولي الأول لموسيقى “الرّاي”  في الجزائر عام 1985 ، تبعه عدة مهرجانات فى أماكن عديدة خارج الجزائر، وأصبح”الرّاي” نوعًا جديدًا شهيرًا وبارزًا في سوق الموسيقى العالمية وتزامن ذلك مع اهتمام بعض شركات الإنتاج العالمية في إدخال أشكال موسيقية جديدة من كافة أنحاء العالم، وانتشار منصات إعلامية تنتج برامج موسيقية، وأدى اندلاع الحرب الأهلية نزوح العديد من المطربين إلى أوروبا خوفًا من الصدام مع النظام أو القتل على يد الجماعات الإسلامية المتطرفة.

ملوك الراى الجدد.

الشاب حسني.

أحد أهم فناني “الرّاي” ” رغم مسيرته الفنية القصيرة جدًا، حقق نجاحات كبيرة وكسرت مبيعات ألبوماته حاجز المليون نسخة، وأنتج فى فترة زمنية قصيرة أكثر من 300 أغنية، وصل بالراي إلى أقصى شمال أوروبا، ونجح فى أن يصنع لنفسه مسيرة فنية متميزة بأغنيات غلب عليها الجانب العاطفي الإنساني ولقب فى الجزائر بعندليب الراي، اغتيل “حسني” عام 1994 على يد بعض الجماعات المتشددة لتغلق صفحة مهمة جدًا من تاريخ موسيقى الراي الحديث.

الشاب خالد.

يحسب للشاب خالد أنه أول من أخرج “الرّاي”  بصورة شبه رسمية إلى العالمية، بعد نزوحه إلى أوروبا هربًا من التجنيد فى منتصف الثمانينات، كان ظهوره الأول بألبوم “كوتشى” عام 1988 صحبة الموسيقار الجزائري “صوفي بوتلله”، سرعان ما أكد خالد جدارته كملك لموسيقى”الرّاي” بعد ألبومه الثانى “الشابة” والذى مهد الطريق بشكل جدي لانتشار “الراي” فى التسعينات، بعدها أنطلق خالد ليطلق عده أغنيات ناجحة ترجم بعض إلى عدة لغات مثل “دي دي” و”عائشة”، وبدأ فى التحول تدريجيًا ليصبح أشهر المطربين العرب فى الخارج على الإطلاق خصوصًا بعد حصوله على جائزة “جرامي” الرفيعة مناصفة مع كارلوس سانتانا.

الشاب مامي.

إقرأ أيضا
عشاق الليل

كانت بدايات “مامي” فى منتصف الثمانينات عبر مهرجان موسيقى الراي الأول ، وبعد جولة فنية قصيرة فى فرنسا غنى فيها صحبة الشاب خالد ، نجح مامي في توقيع أول عقد غنائي، و أحيى حفلة على خشبة مسرح أولمبيا الشهير سجل أول ألبوماته تحت عنوان “دوني لبلادي”، وعاد للجزائر لقضاء خدمته العسكرية، عاد إلى باريس لاستئناف مسيرته الفنية، ثم أصدر “خلوني نبكي وحدي” في أمريكا عام 1990. عزز مامي شهرته في فرنسا، مكان إقامته الجديدة بإصداره “سعيدة” عام 1995، و”مالي مالي” عام 1999 التي بلغت أعلى مستوى مبيعات في فرنسا، وأصبح مامي نجما عالميًا بعد تعاونه مع المغني الشهير ستينغ في أغنية “وردة الصحراء”، أصدر عدة دويتوهات ناجحه عربيًا مع “سميرة سعيد” و”كاظم الساهر”، حتى تورطه فى محاولة إجهاض صديقته وهى الجناية التى حكم عليه فيها بالسجن لمدة خمس سنوات.

الشاب فضيل.

أحد أبناء الجيل الثاني من المهاجرين الجزائريين إلى فرنسا، بدأ حياته عبر فرقته التى أنشأها بعنوان” نجوم الرّاي” “، وبدأ يستلهم طريقه الفنى ممن سبقوه “خالد” و”مامي” ، حقق ألبومه الأول”بيضه” نجاحًا كبيرًا، وتمت دعوته للغناء رفقة النجوم الكبار “خالد” و”رشيد طه” فى حفلات .1, 2, 3 Soleils

فرض فضيل موهبته على الجميع في موسيقى الراي ونجح فى غناء عدة أشكال موسيقية أخرى مثل “الروك ، السالسا، والريجي ” مع الحفاظ خصوصية موسيقى الراي، وعبر بأغنياته عن معاناة الأجيال الجديدة التى ولدت خارج موطنهم الأصلي.

ظلت موسيقى الراي أشهر نمط غنائى عربي يحظى بشهرة عالمية واسعة، وأصبح مصدر فخر كبير للجزائر، وانتزع اعترافًا رسميًا من الدولة التى كانت تقف ضده وتعتبره فنًا محظورًا، رغم أنها تحاول تدجين “الراي” بالإشراف على المهرجانات المحلية وتغيير لغة الخطاب المتمردة فى أغنياته والتي تثير حفيظتهم، مع مناداة بعض التيارات المعتدلة بإعادة صياغته بما يتناسب مع المنظومة الأخلاقية للمجتمع .

 تعيش موسيقى “الرّاي” اليوم حالة شبه فوضوية، غالبية الإصدارات الجديدة لا تمت إلى الموسيقى الأصيلة بشيء”، موسيقى تجارية بحته يسعى نجومها إلى تحقيق شهرة سريعة، واختفى نجومًا كثيرون مثل “فضيل” بعد أن أثار الجدل بغنائه في منطقة “الداخلة” الموجودة في الصحراء الغربية المتنازع عليها، ومنع من دخول الجزائر على أثرها، واحتضنته المغرب بعد أن منحه الملك الجنسية، ولم تعد أغنياته الجديدة تحقق نجاحات تذكر، أما “مامي” وأزماته الشخصية كانت سببًا في إعلانه الإعتزال الرسمي 2016 بعد خروجه من السجن، ليظل الشاب “خالد” هو الأسم الأوحد الباقى عالميًا من مطربي “الرّاي”  .

الكاتب

  • كاتب صحفي مهتم بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
2
أحزنني
1
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
1
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان