2٬193   مشاهدة  

نظرة إلى مذهب الليث بن سعد “لماذا اختفى وهل تلامذته وحدهم السبب ؟”

  • منتهى أحمد الشريف، باحثة شابة في العلوم الإسلامية، تخرجت من كلية أصول الدين جامعة الأزهر الشريف

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال


أثرت عوامل عديدة في اندثار المذاهب الفقهية وعلى رأسها مذهب الليث بن سعد بمصر، بعضها كان سياسيًا مثل رفض حاكمها تبني المذهب، وبعضها كان تعليميًا مثل قلة الاتباع وعدم اعتناء التلميذ بتدوين المذهب وحتى تدوين سيرة صاحبه.

عوامل أدت إلى اختفاء مذهب الليث بن سعد

ضريح الليث بن سعد
ضريح الليث بن سعد

رغم قوة مذهب الإمام مالك وفقهه الذي انتشر في الآفاق خلت المكتبات الفقهية من كتب الإمام الليث بن سعد، ولم يبقى من فقهه سوى آراءه المنثورة في كتب الحديث.

اقرأ أيضًا 
الإمام الشافعي ومصر “حب وفقه صنع أشهر مذاهب الإسلام الأربعة”

تناقض كبير بين حياة الليث بن سعد وإرثه العلمي، فالرجل كان ملء السمع والبصر في مصر وربوع العالم الإسلامي، وله من الثراء ما يتيح له أن يكلف أناسًا يكتبوا و ينسخوا ما يقول، ومع ذلك لا وجود لتأصيل مذهبي في علم الليث الذي كاد أن يوصله لمرتبة مذهب مستقل يكون جنبًا إلى جنب مع مذاهب فقه أهل السنة الأربعة.

العيب أولاً كان في الإمام الليث بن سعد نفسه إذ لم يهتم ولعل أكبر دليل على ذلك اقتناعه بأن أي عالم لن يظل علمه كله موجودًا للغزارة فيه إذ قال “ما هلك عالم قط إلا ذهب ثلثا علمه ولو حرص الناس”.

اقرأ أيضًا 
قراءة تاريخية .. جوابات المصريين للإمام الشافعي “الحقيقية وليست التي في فيلم صاحب المقام”

العيب الثاني رآه الإمام الشافعي وحلله إذ ألقى بالمسؤولية على تلامذة الليث بن سعد حيث قال الشافعي أن الليث أكثر علمًا من الإمام مالك لكن الفارق بينهما في التلاميذ، فتلاميذ مالك حافظوا على علمه بينما تلاميذ الليث ضيعوه لأنهم لم يصنفوا أي كتب في آراءه وجعلها مذهبًا، كذلك لم يكتبوا الكتب في قواعد وأصول الفقه، وبالتالي بقي تراثه مجرد فتاوى متداولة على الألسن.

الليث بن سعد وسيرته .. محبة بعد معاندة جعلت الإمام ثريًا

تاريخ انشاء المقصورة الخشبية شهر ذي القعدة 1138 هجرية على يد الامير موسى جورربجي مرزا مستحفظان
تاريخ انشاء المقصورة الخشبية شهر ذي القعدة 1138 هجرية على يد الامير موسى جورربجي مرزا مستحفظان

الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، و”فهم” قبيلة قيسية مضرية من القبائل العربية القديمة غرب الجزيرة العربية واشتُهرت بالفصحى ولاتزال محتفظة باسمها منذ العصر الجاهلي القديم إلى الآن، وهي قبيلة الصعلوك الجاهلي تأبط شرا الفهمي، وكنيته أبا الحارث.

ولد الإمام الليث بن سعد يوم الجمعة سنة 94 هـ في قلقشندة هي إحدى قرى مركز طوخ التابع لمحافظة القليوبية بجمهورية مصر العربية.

أغرب علاقة بين متضادين هي التي بين الليث بن سعد وبن رفاعة، فالأخير كان واليًا لمصر وعنيدًا مع الليث ووصل ذلك العناد لدرجة هدم منزل الإمام الشاب ثم انتهت حكايتهما بوصية من الحاكم الذي عاند الليث تقضي بأن يكون ثريًا.

يذكر القضاعي في خططه أن الليث بنى داره بالريف، فهدمها “ابن رفاعة” عنادًا له، وابن رفاعة هو الوليد بن رفاعة بن خالد بن ثابت بن ظاعن الفهمي الذي ن ولي مصر سنة 109، وكان ابن عمه، فبناها الليث ثانيًا، فهدمها فلما هدمها للمرة الثالثة، أتى آت لليث في المنام فقال له: يا ليث (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).

ولما فلج ابن رفاعة أي “أُصيب بالشَّلل النِّصفيّ ” فأوصى إليه، يقول يحيى بن بكير: كتب الوليد بن رفاعة وهو أمير مصر في وصيته: قد أسندت وصيتي لعبد الرحمن بن خالد بن مسافر إلى الليث بن سعد، وليس لعبد الرحمن أن يفتات على الليث فإن له نصحًا ورأيًا، وكان عمر الليث حينذاك 24 سنة، وأول مكان اتجه إليه الإمام الليث جامع عمر بن العاص فحفظ القرآن والأحاديث والشعر العربي وسائر العلوم العربية والشرعية.

نجابة الإمام الليث بن سعد

سقف المقصورة الخشبية المحيطة بقبر الإمام الليث
سقف المقصورة الخشبية المحيطة بقبر الإمام الليث

ذكر شيخ الأزهر عبد الحليم محمود في كتاب الليث بن سعد أنْ نجابة الليث بدت في سن مبكر، بل كان إمامًا يفتي وهو في بواكير شبابه، وهناك روايات تشهد على نجابة الإمام الليث وإمامته رغم صغر سنه، قال شرحبيل بن جميلٍ: أدركت الناس أيام الخليفة هشام بن عبدالملك، وكان اللَّيْث بن سعدٍ حدث السن، وكان بمصر عبيد الله بن أبي جعفرٍ، وجعفر بن ربيعة، والحارث بن يزيد، ويزيد بن أبي حبيبٍ، وابن هبيرة، وإنهم يعرفون فضله وورعه وحسن إسلامه ويقدمونه ويشار إليه، والليث يومئذ حدث شاب.

كان الليث بن سعد إمامًا يومئذ رغم صغر سنة، أستاذًا يدرس للجمهور والعلماء، لقد بلغ الإمام الليث بن سعد تلك المنزلة بجهده وذكائه وذاكرته القوية وعزيمته القوية، ومواصلته الليل بالنهار من أجل المذاكرة.

“بسورة الرحمن” كيف أنقذ الليث بن سعد قصة حب وقع فيها هارون الرشيد ؟

الباب الخشبي لمسجد الإمام الليث
الباب الخشبي لمسجد الإمام الليث

كثرت رحلات الإمام الليث بن سعد العلمية، وهناك قصص كثيرة تنم على قوة ذكاء الإمام ونجابته وعمق نظرته للمسائل الفقهية المختلفة.

من ضمن هذه القصص ما نقله الشيخ عبد الحليم محمود عن حلية الأولياء إذ حكا لؤلؤ خادم هارون الرشيد قائلاً: “جرى بين هارون الرشيد وبين ابنة عمه زبيدة مناظرة وملاحاة في شيء من الأشياء، فقال هارون لها في عرض كلامه : “أنتي طالق إن لم أكن من أهل الجنة “.
ندم هارون الرشيد واغتم مع زوجته بهذه اليمين، ونزلت بهما مصيبة لموضع ابنة عمه منه، فجمع الفقهاء وسألهم عن هذه اليمين، فلم يجد منها مخرجًا، ثم كتب إلى سائر البلدان من عمله أن يحمل إليه الفقهاء من بلدانهم، فلما اجتمعوا جلس لهم وأدخلوا عليه، وكنت واقفًا بين يديه لأمر إن حدث يأمرني بما شاء فيه، فسألهم عن يمينه، وكنت المعبر عنه، وهل له منها مخلص، فأجابه الفقهاء بأجوبة مختلفة، وكان إذ ذاك فيهم الليث بن سعد فيمن أشخص من مصر، وهو جالس في آخر المجلس لم يتكلم بشيء، وهارون يراعي الفقهاء واحدًا واحدًا، فقال : بقي ذلك الشيخ في آخر المجلس لم يتكلم بشيء فقلت له : إن أمير المؤمنين يقول لك : ما لك لا تتكلم كما تكلم أصحابك ؟ فقال : قد سمع أمير المؤمنين قول الفقهاء ، وفيه مقنع”.

قال الليث بن سعد لخادم هارون الرشيد “يخلي أمير المؤمنين مجلسه إن أراد أن يسمع كلامي في ذلك، فانصرف من كان بمجلس أمير المؤمنين من الفقهاء والناس، ثم قال : تكلم، فقال : يدنيني أمير المؤمنين ؟ فقال : ليس بالحضرة إلا هذا الغلام، وليس عليك منه عين، فقال : يا أمير المؤمنين أتكلم على الأمان، وعلى طرح التعمل والهيبة والطاعة لي من أمير المؤمنين في جميع ما آمر به ؟ قال : لك ذلك، قال : يدعو أمير المؤمنين بمصحف جامع، فأمر به فأحضر”.

أخذ هارون الرشيد يتصفح المصحف حتى وصل إلى سورة الرحمن، فأخذه وتصفحه حتى وصل إلى سورة الرحمن، فقال الليث : يقرأ أمير المؤمنين، فقرأ فلما بلغ : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) قال : قف يا أمير المؤمنين هاهنا، فوقف فقال : يقول أمير المؤمنين : والله، فاشتد على الرشيد وعلي ذلك، فقال له هارون : ما هذا ؟ قال : يا أمير المؤمنين على هذا وقع الشرط، فنكس أمير المؤمنين رأسه – وكانت زبيدة في بيت مسبل عليه ستر قريب من المجلس، تسمع الخطاب – ثم رفع هارون رأسه إليه فقال : والله، قال : الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ، إلى أن بلغ آخر اليمين، ثم قال : إنك يا أمير المؤمنين تخاف مقام الله ؟ قال هارون : إني أخاف مقام الله، فقال : يا أمير المؤمنين، فهي جنتان وليست بجنة واحدة كما ذكر الله تعالى في كتابه ، فسمعت التصفيق والفرح من خلف الستر ، وقال هارون : أحسنت والله ، بارك الله فيك ، ثم أمر بالجوائز والخلع لليث بن سعد ، ثم قال هارون : يا شيخ ، اختر ما شئت ، وسل ما شئت تجب فيه.

إقرأ أيضا
شيخ الأزهر الثامن

كان فرصة للإمام الليث بن سعد أن يكسب من هذه الفتوى لكن الذي استفاد هو خادم هارون الرشيد فقد قال الليث “يا أمير المؤمنين، وهذا الخادم الواقف على رأسك ؟ فقال : وهذا الخادم ، فقال : يا أمير المؤمنين، والضياع التي لك بمصر ولابنة عمك أكون عليها، وتسلم إلي لأنظر في أمورها ؟ قال : بل نقطعك إقطاعا، فقال : يا أمير المؤمنين، ما أريد من هذا شيئا، بل تكون في يدي لأمير المؤمنين، فلا يجري علي حيف العمال، وأعز بذلك، فقال : لك ذلك، وأمر أن يكتب له ويسجل بما قال، وخرج من بين يدي أمير المؤمنين بجميع الجوائز والخلع والخادم، وأمرت زبيدة له بضعف ما أمر به الرشيد، فحمل إليه، واستأذن في الرجوع إلى مصر، فحمل مكرما.

قراءة في مذهب الليث بن سعد

مأذنة مسجد الإمام الليث
مأذنة مسجد الإمام الليث

يُعد الإمام الليث بن سعد من ائمة التصوف الذين نهضوا بالتصوف نهضته الأولى، ويرجع ذلك لرويته أحاديث الأخلاق التي جعلت أبو نعيم صاحب الحلية والشيخ مصطفى عبد الرازق يضعانه ف مصاف الصوفية الأوائل، وبما عهده منه الناس من جوده وسخاءه، يقول بن وهب ” كان الليث يلبي حاجة مالك سواء أكتب إليه أم لم يكتب، وكان الليث يصل مالك بن أنس بمائة دينار في كل سنة، وكثرت الاثار الواردة عن شدة سخاء الليث بن سعد.

كان الإمام ابن سعد فقيهًا مجتهدًا، يقول الإمام أحمد بن حنبل: “الليث كثير العلم، صحيح الحديث”، وورد عنه أنه قال: “ليس فيهم أي أهل مصر، أصح حديثًا من الليث”، وكذلك كان رأي معاصريهما من الفقهاء الذين ألمّوا بفقه مالك والليث كسعيد بن أبي أيوب الذي قال: “لو أن مالكًا والليث اجتمعا، كان مالك عند الليث أبكم، ولباع الليث مالك فيمن يزيد” في إقرار منه بأن الليث أفقههُما.

كان الليث بن سعد إنذارًا رقابيًا للولاة فجميعهم تعاملوا معه بالخشية، ولعل سبب ذلك أن الليث بن سعد مع قامته العلمية كان بمثابة وجدان الفقه وضميره.

أصدر موسى بن عيسى والي مصر في زمن هارون الرشيد قرارًا يقضي بإعادة الكنائس التي هدمها الوالي العباسي السابق علي بن سليمان والذي حكم عليه الليث بن سعد بالابتداع في الدين بسبب هدمه للكنائس.

أيد هارون الرشيد وجهة نظر الليث بن سعد وكذلك والي مصر، إذ اقتضت وجهة نظر الليث الفقهية أن هناك كنائس هُدِمت في عصر عمرو بن العاص وهذا معناه أن إجماع الصحابة الذين في جيش عمرو بمثابة قوة للسنة كون أنهم ما كانوا ليتفقوا على شيء إلا بعد أن تعلموه من النبي فضلاً عن أن دليل الليث من القرآن قول الله تعالى “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا”، وقوله “وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا”.

روى أبو عمر الكندي في كتاب الولاة والقضاة أن مُوسَى بْن عيسى لمّا ولِّيَ مصر من قِبَل أمير المؤمنين هارون الرشيد أَذِن للنصارى فِي بُنْيان الكنائس التي هدمها عليّ بْن سُليمان، فبُنيت كلّها بمشْوَرة الليث بْن سعد وعبد الله بْن لَهِيعة، وقالا: هُوَ من عِمارة البِلاد، واحتجَّا أن عامة الكنائس التي بِمصر لم تُبْنَ إلَّا فِي الْإِسْلَام فِي زمَن الصحابة والتابعين.

تُوفي الإمام الليث بن سعد يوم الخميس منتصف شهر شعبان سنة 175هـ، الموافق ديسمبر 791م ودفن يوم الجمعة في مقابر الصدفيين بالقرافة الصغرى، وذكر صاحب كتاب الرحمة الغيثية عن خالد بن عبد السلام الصدفي قال: “جالست الليث بن سعد، وشهدت جنازته مع أبي ما رأيت جنازة قط بعدها أعظم منها، ورأيت الناس عليهم الحزن، ويعزي بعضهم بعضًا، فقلت لأبي: يا أبت كأن كل واحد من هؤلاء صاحب الجنازة، فقال: يا بني كان عالمًا، كريمًا، حسن العقل، كثير الأفضال، يا بني لا نرى مثله أبدًا”.

الكاتب

  • منتهى أحمد الشريف، باحثة شابة في العلوم الإسلامية، تخرجت من كلية أصول الدين جامعة الأزهر الشريف

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
11
أحزنني
0
أعجبني
5
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان