رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
255   مشاهدة  

المسحراتي .. عندما التقى الدرويش بشيخ الحضرة

المسحراتي
  • كاتب صحفي وروائي مصري، كتب ٧ روايات وشارك في تأسيس عدة مواقع متخصصة معنية بالفن والمنوعات منها السينما وكسرة والمولد والميزان

    كاتب ذهبي له اكثر من 500+ مقال


لابد أن تلك الليلة الخريفية في حي الظاهر في القاهرة في 28 أكتوبر عام 1928 كانت ذات حظ سعيد، حين ولد فؤاد سليم حداد لوالد، من أسرة مسيحية بروتستانتينية لبنانية، يعمل مدرساً في كلية تجارة­ جامعة فؤاد الأول، ووالدة من مواليد القاهرة أجدادها السوريون الكاثوليكيون انتقلوا إلى مصر واستقروا فيها، وفي المعتقل تحول فؤاد حداد إلى الإسلام.
تعلم في مدرسة «الفرير» ثم مدرسة «الليسية» الفرنسيتين، وكانت لديه منذ الصغر رغبة قوية للمعرفة والاطلاع على التراث الشعري الذي وجده في مكتبة والده، وكذلك على الأدب الفرنسي إثر دراسته للغة الفرنسية.
اعتقل فؤاد حداد عام 1953 لأسباب سياسية، ونشر ديوانه الأول «أحرار وراء القضبان» الذي كان اسمه «افرجوا عن المسجونين السياسين» بعد خروجه من المعتقل عام 1956، واعتقل مرة أخرى عام 1959 لمدة 5 سنوات، وخرج ليكتب في شكل جديد لم يكن منتشرا في الشعر العربي، وهو »شعر العامية فكتب أشعار الرقصات مثل «الدبة» و«البغبغان» و«الثعبان».

يخجل مثلي كثيراً عند الكتابة عن شاعر بحجم وموهبة والد الشعراء ومولانا فؤاد حداد، هذا الشاعر الذي كانت همساته ولمساته وحركاته وإيماءاته مصبوغة بالعامية المصرية، تلك اللهجة التي أعطاها قيمة أدبية بعدما كان الأدب ينظر لها نظرة دونية باعتبارها لغة شارع سوقية، فإذا به يكشف عن كنز حقيقي حرم الأدب نفسه منه قروناً طويلة.
أما بالنسبة لـ «المسحراتي» فقد صار هذا الديوان الذي لحنه وغناه سيد مكاوي طقساً لا يتجزأ من هذا الشهر الكريم، صار البرنامج الإذاعي المسحراتي الذي خرج للنور عام 64 ملحمة رمضانية ممتدة إلى التليفزيون داخل قلب كل مصري.
ثم كتب موضوع مقالنا اليوم «المسحراتي» لسيد مكاوي 1964.

كان والي مصر إسحق بن عقبة أول من طاف على ديار مصر لإيقاظ أهلها للسحور، وفي عهد الدولة الفاطمية كانت الجنود تتولى الأمر. وبعدها عينوا رجلاً أصبح يعرف بالمسحراتي، كان يدق الأبواب بعصا يحملها قائلاً «يا أهل الله قوموا تسحروا»، ولابد لبحث تاريخي أن يدور حول العلاقة بينه وبين سيد مكاوي، حيث تشهد حلقات «المسحراتي» على أنه جده الكبير، هذا الفنان المدهش الذي علمت أنغامه الأوتار معنى السحر الشرقي المصبوغ والمشبع بالروح المصرية، الذي كان صنو فؤاد حداد، شاعر وملحن تشربا بماء النيل وملح هذه الأرض حتى صارا لسانين لها.

ولد سيد مكاوي في أسرة شعبية بسيطة في حي الناصرية في السيدة زينب في القاهرة في 8 مايو 1927، قبل رفيقه فؤاد حداد بعام واحد، وكان لكف بصره عامل أساسي في اتجاه أسرته إلى دفعه للطريق الديني بتحفيظه القرآن الكريم، فكان يقرأ القرآن ويؤذن للصلاة في مسجد أبو طبل ومسجد الحنفي بحي الناصرية.
وما أن تماثل لسن الشباب حتى انطلق ينهل من تراث الإنشاد الديني من خلال متابعته لكبار المقرئين والمنشدين آنذاك كالشيخ إسماعيل سكر والشيخ مصطفى عبد الرحيم وكان يتمتع بذاكرة موسيقية جبارة فما إن يستمع للدور أو الموشح لمرة واحدة فقط، سرعان ما ينطبع في ذاكرتة وكانت والدتة تشتري له الأسطوانات القديمة من بائعي «الروبابيكيا» (الخردوات) بالحي بثمن رخيص ليسمعها إرواءً لتعطشة الدائم لسماع الموسيقى الشرقية.
وتعرف فيما بعد على أول صديقين في تاريخة الفني وهما الشقيقان إسماعيل رأفت ومحمود رأفت، وكانا من أبناء الأثرياء ومن هواة الموسيقى وكان أحدهما يعزف على آلة القانون والثاني على آلة الكمان.
وكان لديهما في المنزل آلاف الأسطوانات القديمة والحديثة آنذاك من تراث الموسيقى الشرقية لملحني العصر أمثال داوود حسني ومحمد عثمان وعبد الحي حلميٍ والشيخ درويش الحريري وكامل الخلعي، وظل سيد مكاوي وصديقيه يسمعون يومياً عشرات الأسطوانات من أدوار وموشحات وطقاطيق ويحفظونها عن ظهر قلب ويغنونها.
كوّن سيد مكاوي مع الأخوين رأفت ما يشبه التخت لإحياء حفلات الأصدقاء وشكّل حفظ سيد مكاوي لأغاني التراث الشرقي عاملاً أساسياً في تكوين شخصيته الفنية واستمد منها مادة خصبة أفادتة في مستقبلة الموسيقي. كما أدى حفظه تراث الإنشاد الديني والتواشيح إلى تفوقه الملحوظ في صياغة الألحان الدينية والقوالب الموسيقية القديمة مثل تلحينه الموشحات التي صاغها من ألحانه.
كان سيد مكاوي في بدايته مهتما أكثر بالغناء ويسعى لأن يكون مطرباً ،وتقدم بالفعل للإذاعة المصرية في بداية الخمسينيات واعتمد كمطرب في الإذاعة وكان يغني أغاني تراث الموسيقى الشرقية من أدوار وموشحات على الهواء مباشرة في مواعيد شهرية ثابتة.
ثم تم تكليفه بغناء ألحان خاصة وذلك بعد نجاحه في تقديم ألحان التراث ولعل من مفارقات القدر أن تكون أول أغانية الخاصة والمسجلة بالإذاعة ليست من ألحانة بل من ألحان صديقه المخلص والملحن الناشئ في هذا الوقت الفنان عبد العظيم عبد الحق والأغنية هي «محمد». الأغنية الثانية كانت للملحن أحمد صدقي وهي أغنية «تونس الخضرا» وهما الأغنيتين الوحيدتين التي غناهما سيد مكاوي من ألحان غيره.
في منتصف الخمسينيات بدأت الإذاعة المصرية في التعامل مع سيد مكاوي كملحن إلى جانب كونه مطرباً، وبدأت في إسناد الأغاني الدينية إليه والتي قدم من خلالها للشيخ محمد الفيومي الكثير من الأغاني الدينية مثل «تعالى الله أولاك المعالي» و«آمين آمين» و«يا رفاعي يا رفاعي قتلت كل الأفاعي» و«حيارى على باب الغفران» حتى توجها بأسماء الله الحسنى.
كما كان لسيد مكاوي الفضل الأول في وضع أساسٍ لحنيٍّ خاص لتقديم «المسحراتي»، وكأن لقاء درويش مصر وعاشقها فؤاد حداد بشيخ الحضرة دائم الذكر والموسيقى كان مقدراً من أجل أن يعطي رمضان بعض طعمه الخاص جداً الذي لا تشعر به سوى في مصر.

إقرأ أيضا
المسحراتي سيد مكاوي

الكاتب

  • أسامة الشاذلي

    كاتب صحفي وروائي مصري، كتب ٧ روايات وشارك في تأسيس عدة مواقع متخصصة معنية بالفن والمنوعات منها السينما وكسرة والمولد والميزان

    كاتب ذهبي له اكثر من 500+ مقال

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان