رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
220   مشاهدة  

“المُلَمَّع” لهجة بين العربية والتركية اخترعها المماليك وما زلنا نستخدمها حتى الآن

المماليك
  • صحفية استقصائية وباحثة في شؤون الشرق الأوسط، نشأت تحت مظلة "روزاليوسف" وعملت في مجلة "صباح الخير" لسنوات.

    كاتب برونزي له اكثر من 100+ مقال



ألفاظ كثيرة نستخدمها في لهجتنا المصرية اليوم لا نعلم من أين جاءت، بعضها قبطي عائد لحضارة طيبة، وبعضها من أصول تركية ورومية وچركسية دخلت مع التأثر بحكم المماليك ومن بعدهم العثمانيين، وأحيانًا هجين من الإنجليزية والفرنسية نتيجة لفترة الاحتلال. إلا أن المماليك المصريين بشكل خاص كانت لهم بصمة في موضوع اللهجات هذا، لدرجة أثارت استغراب الأتراك أنفسهم؛ حيث اخترعوا لغة أطلق عليها “المُلَمَّع”، مزيج بين التركية والعربية ما زلنا نتسخدم بعض مصطلحاتها حتى الآن.

“غشيم، شرَّاني، بطران، بهدَّلة، قيالة” كلمات لا يجمع بينها أي رابط، إلا أننا نستخدمها جميعًا في حياتنا اليومية بالعامية المصرية المعروفة. أي أننا لن نستغرب لو سمعنا أحدهم يقول: “ده واد غشيم وشرَّاني، متعود على البطران والبهدلة حتى في عز القيالة”. لكن ماذا لو سمعنا الكلمات نفسها قبل أكثر 8 قرون، في إحدى قصور الروضة حيث يسكن أحد أعيان القاهرة ومماليكها زمان!

اقرأ أيضًا

“ترياق الفاروق” عقار تميز أطباء بيمارستان السلطان قلاوون بصنعه من الحيات

لماذا اخترع المماليك لهجة المُلَمَّع؟

المماليك
مصحف السلطان قايتباي

 في معرض تدوينه لرحلته إلى مصر خلال نهايات القرن الـ17، سجل الرحالة العثماني ورجل الدولة، أوليا چلبی، ملاحظاته عن لهجات أهل المحروسة وقتها. بعد حوالي 200 عام من دخول السلطان العثماني سليم الأول مصر وإنهائه حكم المماليك، كانت القاهرة لا تزال مسكنًا للعديد منهم، يعيشون فيها أعيانًا. حتى أن المؤرخ العثماني حينها تحدث عن لهجة المُلَمَّع باعتبارها خاصة بالأعيان. 

وعلى الرغم من اختلاف اللهجات والاصطلاحات الخاصة بأهالي أم الدنيا وأعيانها مختلفي الجنسيات، إلا أن تلك اللهجة بالذات لفتت نظر أوليا چلبی؛ ربما لخلطها لغته الأم بالعربية ولغات أخرى، واقتصار استخدامها على مصر فقط دون البلاد التركية التي سبق وشاهدها. 

من المعروف أن المماليك كانوا مجموعات من الرقيق المستقدمين على الجيش المصري، بخلفيات وأعراق مختلفة بين الچرکس، والروم، والترك، والروس، والأباظية- سكان جبال القوقاز- وجنسيات أخرى. ومع الوقت أصبحت لهم تلك السطوة التي مكنتهم من السيطرة على حكم المحروسة قرونًا؛ الأمر الذي دفعهم نحو لغة أهل البلد “العربية”. ولما كانت اللغات الأصلية للمماليك “الأباظية، والچركسية، والتركية” ثقيلة، لا يمكن تطويعها بسهولة؛ ظهرت اللهجة الجديدة التي مزجت كل تلك الأصول مع العربية المصرية. 

مصطلحات أعيان المحروسة نرددها اليوم

الفترة التي زار فيها الرحالة أوليا چلبی مصر والسودان والحبشة- كيان متصل- كان المماليك فيها أعيانًا، ومستمرين في المجتمع المصري باعتبارهم فصيل حافظ على استقلاله، قبل أن يقضي عليهم محمد علي تمامًا بدايات القرن التاسع عشر. ومع دقته وحرصه على تدوين كل صغيرة وكبيرة، سجل العديد من المصطلحات التي أثارت استغرابه حينها ومنها ما هو مستخدم حتى الآن. ولو كان أوليا چلبی حاضرًا بيننا الآن لأثارت استغرابه أكثر. 

مثل كلمة غشيم الموجودة في المعاجم العربية حاليًا بمعنى الجاهل بالأمور، واستخدمها الأعيان زمان بمعنى غير المتمرن الجاهل بعمله. واستخدموا لفظة فرَّاش اسمًا لمن يكنس البيوت والمساكن، في حين يعرفها المعجم الوسيط بأنها لقب من يتولى أمر الفِراش وخدمته في المنازل، أو من يؤجر السرادق في الأعراس والمآتم. كما أطلقوا لقب مقدِّم على الموظف الذي يسير أمام الحاكم، بينما نستخدمها الآن كرتبة عسكرية. وعرفوا النشَّال على أنه الشخص الذي يقطع الجيوب، إلا أنهم كانوا يطلقون عليه “نشال شيال”.

إقرأ أيضا
العدوان الإسرائيلي

كذلك كلمة موالس أي ذو الوجهين، والتي ربما لا يعرفها الكثيرون في أيامنا هذه. ومن المفاجئ أن المخبوزات المحببة إلى قلوبنا مثل الكحك والبقسماط والقراقيش لم تكن مسمياتها مصرية، وإنما تابعة للهجة المُلَمَّع. أمَّا شراني وبطران التي نستخدمها اليوم كمفردات مستقلة، فقد كانت مصطلحات مركبة مع الفعل التركي “إيدر/ eder” استخدموها بالمعنى نفسه الذي نستخدمه. 

كما أفردوا مصطلحات خاصة بهم للوظائف منها ما هو مستخدم حتى الآن، مثل شيخ البلد، والغفير، والفلاح. ومصطلحات أخرى اختصت بالحياة القروية وموجودة في قرى مصر حاليًا، مثل شونة وهي مخازن القمح، وجرن الذي نستخدمه في هرس الأطعمة أو طحنها. ومن هذه المصطلحات ما اختفى أو ابتعد عن معناه القديم، مثل عاطل التي كانت تطلق على القرية التي لا يخرج منها إيرادات، أو خوردة التي كانت بمعنى جمرك، وشرموطة التي كانت تعني الخرقة البالية ويستخدمها أقلية من الناس حتى الآن بالمعنى نفسه.

الكاتب

  • المماليك إسراء أبوبكر

    صحفية استقصائية وباحثة في شؤون الشرق الأوسط، نشأت تحت مظلة "روزاليوسف" وعملت في مجلة "صباح الخير" لسنوات.

    كاتب برونزي له اكثر من 100+ مقال






ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
‫إظهار التعليقات (2)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان