تقرأ الآن
“رودريغز” .. عن عامل البناء الذى أحدث ثورة موسيقية لم يكن يعلم شىء عنها!

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
255   مشاهدة  

“رودريغز” .. عن عامل البناء الذى أحدث ثورة موسيقية لم يكن يعلم شىء عنها!

رودريغز

 “رودريغز” هو مغنى وكاتب أغانى أمريكي، بدأ  تعلم الجيتار وهو فى السادسة عشر من عمره، ثم أخذ يعزف فى حانات وأندية مدينة ديترويت، إلى أن سمع عنه المنتج الفني “مايك ثيودور” وذهب ذات مرة لرؤيته فى الحانة التى كان يغنى فيها بديترويت بصحبة المنتج “دينيس كوفى”.

يحكى “كوفى” أنه عندما ذهب بصحبة صديقه لرؤية “رودريغز” كان الأمر فى شدة الغرابة؛ فكانت الحانة يسيطر عليها الضباب ومن بين هذا الضباب كان يظهر صوته وهو يغنى ويعزف على جيتاره فى أحد زوايا الحانة وهو يعطى ظهره للجمهور.

قرر المنتجان “مايك ثيودور” و”دينيس كوفي” أن ينتجوا ألبومًا موسيقيًا له وهو الألبوم الذى حمل إسم “حقيقة باردة” والذى صدر عام 1969م، وقد وضع كل من “ثيودور” و”كوفى” الكثير من الآمال على هذا الألبوم وراهنوا على نجاحه ولكن جاءت النتيجة عكس ما توقعوا تماما؛ فلم يحقق الألبوم أى مبيعات تذكر.

لم ييأس المنتجين من “رودريغز” نظرًا لإيمانهم الكبير بمدى موهبته وبعظمته وقرروا تكرار التجربة مرة أخرى وتم إنتاج الألبوم الثاني والذى حمل عنوان “قادم من الواقع” عام 1971م، وما حققه هذا الألبوم لم يكن يختلف كثيرًا عما حققه ألبومه الأول، وهو الأمر الذى تعجب له كثيرا “ستيف رولاند” منتج الألبوم الثاني لأنه كان يؤمن تمامًا بفن “رودريغز” وبموهبته كما أنه لم يكن يراه مجرد فنان موسيقي بل كان يراه حكيمًا أو نبيًا.

يقول “رولاند” عن أغنية بعنوان “سبب“، وهى إحدى أغانى ألبوم “قادم من الواقع”، أنها من أكثر الأغانى البائسة التى سمعها في حياته وما يزيدها بؤسًا هو التشابه الكبير بين كلماتها وبين ما حدث له فى الحقيقة؛ فالأغنية فى مطلعها تحكى عن شخص حزين بسبب ترك عمله قبل أعياد الكريسماس بأسبوعين، والمفارقة أن هذا بالفعل ما حدث مع “رودريغز”؛ فلقد قررت الشركة المنتجة للألبوم فسخ العقد معه بسبب فشل الألبوم وكان هذا قبل أعياد الكريسماس بأسبوعين، وكانت أغنية “سبب” هى آخر أغنية غناها “رودريغز”.

عاد “رودريغز” بعد فسخ عقده إلى عمله القديم الذى كان يعمل به قبل أن يبدأ بالغناء وهو عمله فى هدم وترميم المباني، عاد “رودريغز” إلى عمله الشاق مرة أخرى ولم يكن يعرف ولم يكن أحدًا على الإطلاق يعرف شىء عن النجاح الساحق والثورة الموسيقية الهائلة التى أحدثها “رودريغز” فى دولة جنوب أفريقيا أثناء فشله فى بلده أمريكا.

على الجانب الآخر من العالم، فى جنوب أفريقيا، كان يحظى “رودريغز” بشهرة واسعة، فلا تجد متجرًا للموسيقي إلا وبه ألبوم “حقيقة باردة”، كما حقق “رودريغز” مبيعات هائلة تقدر بحوالى نصف مليون نسخة، ويقال أن هذا الألبوم قد وصل إلى جنوب أفريقيا بالصدفة عندما أتت فتاة من أمريكا لزيارة صديق لها فى جنوب أفريقيا وأحضرت معها نسخة من الألبوم، فأُعجب أصدقائها بهذا الألبوم وبدأ الألبوم فى التداول بين الناس حتى إنتشر فى جميع أنحاء جنوب أفريقيا، ولم يقف الأمر فقط عند شهرة “رودريغز” وعدد المبيعات التى حققها بل كان “رودريغز” فى جنوب أفريقيا رمزًا للتمرد وللثورة، كما كان نواة لثورة موسيقية حقيقية حدثت فى البلاد وقتها.

يقول “ويليام ميللير”، أحد موسيقيي جنوب أفريقيا، أن المجتمع وقتها كان محافظًا وكان يعانى من القمع وكان التلفاز وقتها ممنوع بحجة أنه شيوعي وكانت الجرائد لا تكتب أى شيء عما يحدث فى العالم وكانت هناك قوانين عنصرية تفرق بين البيض والسود، لذلك مثلت لهم أغانى “رودريغز” نظرًا لما بها من كلمات تهاجم المؤسسات المستبدة فى الدولة ولما بها من كلمات تتحدث بحرية فى كافة المواضيع بما فى ذلك العلاقات الجنسية رمزًا للتمرد والثورة فكانت كلماته وأغانيه نواة لثورة موسيقية أفريكانية ولحركة فنية أسموها “فويلفرى” وهى تعنى فى لغتهم “حر كالطير”.

على الرغم من التأثير العظيم الذى أحدثه “رودريغز” فى جنوب أفريقيا إلا أنهم لم يعرفوا أى معلومات عنه، كانت لديهم معلومات عن أشهر الفرق والمغنيين فى العالم مثل ال”بيتلز” و”رولينغ ستونز” وغيرهم ولكن لم تكن تتوفر لهم أى معلومات عن “رودريغز”؛ فبدأت الشائعات تظهر عن إنتحار “رودريغز” بل أيضًا ظهرت شائعات عن كيفية الإنتحار؛ فتجد من يقول أنه أحرق نفسه على المسرح ومنهم من يقول أنه أطلق الرصاص على نفسه وهو يغني على المسرح، وظل “رودريغز” لغزًا غامضًا لا يعرف عنه شيء.

ظل أمر “رودريغز” غامضًا لفترة طويلة إلا أن طُلب من رجلًا يمتلك متجرًا موسيقيًا فى جنوب أفريقا يدعى “شوغرمان”، نسبة إلى أحد أغانى “رودريغز” والتى تحمل نفس الإسم، أن يكتب ملاحظات على الألبوم الثاني ل”رودريغز” عند صدوره فى جنوب أفريقيا لأنهم إعتقدوا أنه يعرف الكثير عنه فكتب يقول أنه لا يوجد مغنى فى التاريخ أكثر غموضًا من “رودريغز” الذى نجح نجاحًا هائلًا فى جنوب أفريقيا وفشل فى كل مكان آخر، وقد عرف “شوغرمان” عن هذا الفشل عندما أخبرته صديقته التى أتت من أمريكا أن لا أحد هناك سمع بإسم “رودريغز” وكان هذا بمثابة صدمة كبيرة بالنسبة له فلقد إعتقد أن “رودريغز” مشهور فى كل مكان، ثم أكمل كتابته وقال هل يوجد أحد المحققين الموسيقيين يتولى الأمر ويتقفى أثره ليعرف الناس من هو وكيف مات؟، وهذا حسب ما قال “شوغرمان” كان السطر الذى غير كل شيء؛ فعلى الجانب الآخر كان “كرايج ستريدوم”، وهو أحد المحققين الموسيقيين فى جنوب أفريقيا، يبحث عن موضوع جديد وفى نفس الوقت  كان يشغله موضوع موت “رودريغز” وعندما قرأ هذا السطر من ملاحظات “شوغرمان” شعر أنه موجه له وقرر أن يحمل مسؤولية البحث عن من هو “رودريغز” وعن كيفية موته.

بدأ “ستريدوم” البحث أولًا عن طريق تقفي أثر الأموال، فقرر رصد مبيعات الألبوم ومحاولة معرفة لمن ذهبت هذه المعلومات ولكن كان هذا طريقًا مسدودًا لم يستطع الوصول منه لشىء، فقرر البحث هو “وشوغرمان” فى كلمات أغانىيه لعلهم يعرفون فى أى مدينة كان يسكن، فوجدوا كلمات تصف الأبنية المرتفعة وهو ما كانت تتميز به نيويورك كما وجدوا كلمات يقول فيها أنه نزل فى أحد الغرف الفندقية فى أمستردام وكلمات أخرى يصف بها إحدى طرق جورجيا، لذلك كان هذا أيضًا طريقًا مسدودًا لم يوصلهم لشىء، إلا أن كان “ستريدوم” يستمع إلى إحدى أغانيه وسمع فيها كلمة “ديربون” وكانت تلك المرة الأولى التى ينتبه فيها أن “ديربورن” هذه قد تكون مدينة، وقد صح إعتقاده وإكتشف عندما فحص الأطلس الخاص به أن ديربون هى أحد مقاطعات “ديترويت” وإستطاع من خلال هذا الإكتشاف أن يحصل على هاتف “مايك ثيودور” أحد منتجى ألبوم “حقيقة باردة”، وكان هذا عام 1997م أى بعد 28 عامًا من صدور ألبوم “رودريغز” الأول.

يقول “ستريدوم” أن هذا كان تقدمًا هائلًا فى رحلة بحثه حول لغز “رودريغز” ويقول أنه كان يملك أكثر من 100 سؤال يريد أن يسألهم ل”ثيودور”، كان يريد أن يعرف تفاصيل كل أغنية وتفاصيل كل ألبوم وأين تم تسجيله ومن هو “رودريغز”، ولكن كان السؤال الأهم بالنسبة له والذى سأله ل”ثيودور” هو “كيف مات رودريغز؟” وجاءت الإجابة الصادمة من “ثيودور” عندما قال له أنه ليس ميتًا بل هو حى يرزق ويعيش فى ديترويت.

كانت هذه بمثابة صدمة هائلة لكل من “ستريدوم” و”شوغرمان” أن يكتشفوا أن “رودريغز” لم ينتحر وأنه حي يرزق، ويقول “شوغرمان” عن أول مرة سمع فيها صوت “رودريغز” على الهاتف أنها لحظة من أهم لحظات حياته بل لعلها الأهم على الإطلاق.

أخبره “شوغرمان” عن مدى الشهرة التى يحققها فى جنوب أفريقيا وعن التأثير الذى أحدثه فى الموسيقي فى جنوب أفريقيا ولم يكن يصدق هذا، ودعاه “شوغرمان” أن يأتى إلى جنوب أفريقيا ويقيم جولة موسيقية، وبالفعل ذهب إلى هناك عام 1998م وأقام أربع حفلات بيعت كل تذاكرها، ويقول “شوغرمان” أن الناس فى جنوب أفريقيا لم يصدقوا انه على قيد الحياة وأنه حقًا سيأتى ليقيم حفلات فى بلدهم، لم يظهر عليه فى هذه الحفلات أى أثر للضغط أو للتوتر على عكس المتوقع، بل شعر أنه فى مكانه الطبيعي وأنه أمير وسط هذا الحشد الهائل. يمكن مشاهدة بعض لقطات أحد الحفلات التى أقيمت من هنا.

فوجىء “رودريغز” عندما أتى إلى جنوب أفريقيا بكم الإعلانات الهائلة الموجودة فى كل مكان للترويج للحفل، وتحكى إبنته عن حفاوة الإستقبال التى لم تتخيلها أبدًا وعن مدي دهشتها بعدد الحضور، وتقول مازحة أنها كانت تأمل أن تجد عشرون شخصًا مهتمون بحضور الحفل لكنا وجدت أكثر من 5000 شخص.

زار “رودريغز” بعد ذلك جنوب أفريقيا بعد ذلك 4 مرات أقام فيهم أكثر من 30 حفلة موسيقية، وقد تزوجت “إيفا” إبنته الحارس الذى كان مكلف بحراستهم أثناء حفلة ابيها الأولى فى جنوب أفريقيا وأنجبت منه طفلًا وأصبح له حفيدًا جنوب إفريقي.

لم تتغير حياته كثيرًا بعد هذه الحفلات وقد قام بإعطاء معظم الأموال التى جناها من تلك الحفلات إلى أصدقائه وأسرته وعاد مرة أخرى ليعيش نفس حياته القديمة بمنزله الصغير بمدينة ديترويت.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
1
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان