رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
549   مشاهدة  

في أي شيء أخطأت الحلقة 2 من سره الباتع وأخطأ من خَطَّأها فنيًا وتاريخيًا ؟

سره الباتع
  • باحث في التاريخ .. عمل كاتبًا للتقارير التاريخية النوعية في عددٍ من المواقع

    كاتب ذهبي له اكثر من 500+ مقال



فتحت الحلقة 2 مسلسل سره الباتع جدلاً تاريخيًا لم ينتهي حول التفاصيل التي كان يجب على المسلسل الالتزام بها، وبين معجب بالعمل لدرجة رفضه النقد وبين رفضٍ للمسلسل لدرجة وصفه بأنه استسهال، أردنا في هذا التقرير أن نعطي للمشاهد قراءة مغايرة متأنية حتى لا تتوه جماليات العمل الفني بالظلم في النقاشات التاريخية، وأيضًا حتى يُنْسَى التاريخ بالنقد الفني.

أخطاء من قام بتخطيئ الحلقة 2 من سره الباتع

المنشور الذي استعرض الأخطاء - ومراجعه في هامش [1]
المنشور الذي استعرض الأخطاء – ومراجعه في هامش [1]
ساق أحد الزملاء الكُتَّاب[1] قائمة بأخطاء تاريخية في المسلسل واصفًا إياها بـ أخطاء تاريخية بالجملة، وكانت تلك الأخطاء متمثلةً في وجود أشياء لا صلة لها بزمن الحملة الفرنسية وهي :- «منديل بأويه، الملابس القطنية، الكارتة، الأكل على السفرة»، وكان المرجع هو كتاب وصف مصر مع عدد من الكتب التاريخية الأخرى، وانتهى رأيه بأن العمل وقع في الاستسهال؛ وأدت تلك الأطروحة إلى نقاش محتدم بينه وبين الفنان محمود عزازي الذي يشارك في مسلسل سره الباتع.

فيما يتعلق بـ منديل بأويه

مشاهد ظهر فيها المنديل بأويه
مشاهد ظهر فيها المنديل بأويه

لم يكن ارتداء منديل بأويه عنصرًا نشازًا يفصل المشاهد عن الحيز الزمني الذي يتناوله المسلسل، لكن أيضًا لا يوجد ما ينفي أن المصريات كن يرتدين منديل بأويه قبل القرن ال20، ورغم أن كتاب وصف مصر لم يذكره صراحةً وكذلك لوحات وصف مصر؛ لكن أيضًا هذا لا يعني بعدم وجود منديل بأوية في زمن الحملة الفرنسية.

دليل ذلك موجود في تاريخ الجبرتي، فالمؤرخ عبدالرحمن الجبرتي في أحداث يوم الجمعة 21 جمادى الثانية 1213هـ / 30 نوفمبر 1798م تكلم عن البالون الذي أراد الفرنسيين أن يطيروه في الهواء، ولأن الجبرتي لا يعرف كلمة منطاد أراد أن يصفه بتشبيه لشيء يسهل على من يطالع تاريخه فهمه، فشبهه بـ الأوية مما يؤكد أن المصريين كانوا يعرفون الأوية وليس كما قال الكاتب أن معرفتهم به كانت في عشرينيات القرن الماضي.

وقال الجبرتي في وصفه للمنطاد أو البالون الطائر «تجمع الناس وكثير من الإفرنج ليروا تلك العجيبة وكنت بجملتهم، فرأيت قماشًا على هيئة الأوية على عامود قائم وهو ملون أحمر وأبيض وأزرق على مثل دائرة الغربال».[2]

والأوية كلمة عثمانية انتشرت في مصر خلال العهد العثماني (الذي جاءت الحملة الفرنسية فيه) وهي مشتقة من أويمجي وهي زخارف حريرية أو كتانية تنسجها النساء على حواشي ملابسهن ولا تطلق إلا على الطراز القديم المشغول باليد.[3]

الملابس القطنية

أزياء ظهر فيها القطن
أزياء ظهر فيها القطن

من الأشياء الخاطئة التي وقع فيها مهاجمي الحلقة 2 من مسلسل سره الباتع وهو ظهور ملامح الملابس القطنية في أزياء بعض من ظهر من الشخصيات بها، وكانت الحجة أن كتاب وصف مصر خلا من الإشارة إلى ذلك، فضلاً عن أن مصر لم تكن تعرف فكرة الملابس القطنية قبل عصر محمد علي باشا.

وهذا النقد يحمل جانبًا صحيحًا وآخر خاطئًا من الناحية العلمية، فالصحيح أن عصر الباشا شهد تطورًا في مسألة القطن، لكن الخطأ هو تصوير المصريين بالجهل التام والعام بمسألة القطن سواءًا التحويلية أو التجهيزية.

نجد ذلك في وصف مصر عندما قال بيير سيمون جيرار «المنسوجات القطنية هي النوع الوحيد من الأقمشة التي ينتجها الناس فيما بين أسوان وجرجا»[4]، وحول مسألة وجود ملابس من القطن فقد كان هناك شيلان من القطن ويقول وصف مصر في ذلك «تصنع في قنا شيلان القطن المخططة بالأزرق والتي تغطي أكتاف الفلاحين وأكتاف الغالبية العظمى من سكان البلاد».[5]

أيضًا تكلم جيرار عن أماكن لتطريز الملابس قائلاً «بالإضافة إلى المصانع التي تُنْتَج فيها الأقمشة الكتانية و(القطنية) والصوفية والحريرية تنتشر في كل أنحاء مصر مصانع أخرى تمتلك منها المدن الرئيسية والقاهرة بشكل خاص عددًا تتفاوت أحجامه وتصنع به أشغال الزركشة والخيوط الحريرية».[6]

بالتالي فجهل المصريين التام والعام بالقطن خاصةً فيما يتعلق بالملابس زمن الحملة الفرنسية غير وارد خصوصًا وأن سكان القاهرة كان القطن من ضمن أزياءهم مثل السديري طبقًا لكتاب وصف مصر نفسه في الجزء الأول منه.[7]

الكارتة

ظهور الكارتة
ظهور الكارتة

لم يثبت تاريخيًا معرفة المصريين بالكارتة على النحو المعروض في المسلسل، لكن هذا الخطأ يمكن التغاضي عنه أو بالأحرى يتم تصنيفه على أنه هفوة لكن ليس سقطة، لسبب فني والآخر تاريخي؛ فالسبب الفني أن المنظر لم يفصل المشاهد عن الحيز الزماني الذي يتكلم فيه المسلسل بآلة نقل خاطئة مثل (حنطور السائح في الكورنيش، أو عجلة حربية من زمن مصر القديمة).

أما السبب التاريخي فإن وسائل النقل في العصر العثماني لم تقتصر على الخيل والبغال والحمير مجردة من أي شيء آخر، فقد كان هناك تختروان لعلية القوم وتكلم عنه الجبرتي عندما سافر يوسف بك أمير الحج في شهر ذي القعدة سنة 1187هـ / إبريل 1765م إلى الحجاز وأحضر علي بك الكبير في تختروان[8]، كذلك كان التختروان ضمن وسائل النقل في زمن أسبق ويدلل على ذلك أيضًا واقعة نهب الأقباط في الحج إلى بيت المقدس والتي تكلم عنها الجبرتي في تاريخه أيضًا لحوادث سنة 1166هـ /  1753م.[9]

أيضًا فإن الرجوع إلى لوحات مصر لا نجد انعدامًا في وجود آلات للنقل، كان استخدامها نادرًا لكنه ليس منعدمًا.

إقرأ أيضا
اكتشاف أثري في الإمارات
لوحات وصف مصر لآلات النقل والزرع
لوحات وصف مصر لآلات النقل والزرع

النموذج على ذلك مثلاً في الشكل 1 من لوحة 74 الذي رسمها دوترتر نجد شكلاً يشبه الكارتة، أيضًا في الشكل 2 من اللوحة 8 في المجلد الثاني قسم الفنون والحرف نجد أن آلة الدَريِس في الزراعة كانت من خلال أبقار يجرون عربة يجلس عليها مزارع؛ بالتالي فمسألة أن تكون هناك كارتة وإن لم تكن منضبطة تاريخيًا لكنها مقبولة ضمنيًا، وبشكل تاريخي صرف فهي توصف بأنها هفوة أكثر منها سقطة، خاصةً وأن الإطار الفني العام للصورة لم يكسر الحاجز الزمني الذي يتناوله المسلسل.

سره الباتع وأخطاءه في الحلقة الثانية منه

مشهد السفرة
مشهد السفرة

ليست الأشياء الفنية من مسلسل سره الباتع مثل ورق إجابة في الامتحانات وينبغي استخدام نموذج معها حتى تأخذ درجة الكنترول، لكن ما خالفه المسلسل في جزئية كسر الحيز الزمني هو السُفْرَة التي جاءت في الحلقة 2 من العمل، لأنها لم تكن ضمن طراز الأثاث في البيوت المصرية عمومًا؛ وهذا خطأ  تاريخي أكثر منه سقطة، ورغم أنه خطأ لكن لا يؤدي إلى وصف العمل بأنه جريمة فنية، فهناك أخطاء لا تنفي فنيًا جماليات المسلسل وما فيه، خاصةً وأنه عمل ليس تاريخيًا.

حتى يتم التوفيق بين النقد الفني والرأي التاريخي ينبغي الأخذ في الاعتبار أن العمل الفني ليس مطلوبًا منه الالتزام (الحرفي) في كل شاردة وواردة بالتاريخ إلا في حالة واحدة فقط وهو أن يكون العمل الفني تاريخيًا صِرْفًا (وثائقي، تسجيلي) أو مسلسل تاريخي صِرْف؛ لكن في نفس ذات الوقت يتوجب على العمل الفني الالتزام بالأبجديات التي تكسر الحاجز الزمني وتشوه الحقبة الزمنية المعينة، بمعنى أدق «لا يأتي منظر نشاز وفج في الخطأ التاريخي»؛ وينبغي عدم الاعتماد على مرجعٍ واحد.


[1] أحمد المرسي، بعد عرض أول حلقتين.. أخطاء بالجملة في مسلسل سره الباتع، موقع بث مباشر، 24 مارس 2023م.
[2] عبدالرحمن بن حسن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، تحقيق:- عبدالرحيم عبدالرحمن عبدالرحيم، ج3، ط/1، دار الكتب المصرية، 1998م، ص53.
[3] أحمد السعيد سليمان، تأصيل بعض الدخيل من أسماء الملابس والأطعمة في كتاب الجبرتي، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ج45، عدد جمادى الآخرة 1400هـ / مايو 1980م، ص105.
[4] بيير سيمون جيرار، وصف مصر، ج4 ” الزراعة – الصناعات والحرف – التجارة”، ترجمة:- زهير الشايب، ط/2، مكتبة الخانجي، 1978م، ص173.
[5] المرجع السابق، ص174.
[6] المرجع السابق، ص216.
[7] ج. دي شابرول، وصف مصر، ج1، ترجمة:- زهير الشايب، ط/3، صندوق التنمية الثقافية، 1993م، ص112.
[8] عبدالرحمن بن حسن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، ج1، ص11
[9] المرجع السابق، ص318.

الكاتب

  • الحلقة 2 من سره الباتع وسيم عفيفي

    باحث في التاريخ .. عمل كاتبًا للتقارير التاريخية النوعية في عددٍ من المواقع

    كاتب ذهبي له اكثر من 500+ مقال






ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
4
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
‫إظهار التعليقات (2)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان