تقرأ الآن
في حب قصة أبي

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
430   مشاهدة  

في حب قصة أبي

أبي
  • باحث في التاريخ .. عمل كاتبًا للتقارير التاريخية النوعية في عددٍ من المواقع

    كاتب ذهبي له اكثر من 500+ مقال


(1)
كانت مهنة أبي «نقاش ومبيض محارة»، وإن كانت هذه المهنة تدعو للفخر والشرف بكفاحه معنا، لكن أقول أن هذه المهنة أثرت على أبي نفسيًا تأثيرًا إيجابيًا من جهتنا كأبناء، فـ النقاش ومبيض المحارة يعرف فنيات الصنعة وكيف يحول الجدار ذا الطوب الأحمر إلى جدار ناطق بألوان جمالياته، وهذه المهنة ربما جعلت لأبي فلسفة في تكويننا أو كفاحه لأجلنا.

(2)
كل الصنايعية وخصوصًا في الصعيد يعتبرون صنعتهم حياة، وبالتالي يورثونها لأبناءهم من باب إذا كبر الأب يتولى الابن صنعة يعمل بها ويتوكأ عليها إن فاته قطار الحكومة ولجأ إلى قطار أو عَبَّارة الخليج، لكن أبي رفض أن نعمل في أي صنعةٍ كانت ولو حتى في الأجازة، وكانت فلسفته في هذا الرفض «الثقافة تصنع الإنسان وليست الصنعة فالصنعة أكل عيش لكن الثقافة هي قاعدة كل شيء وأي شيء حتى في الصنعة»، كما كان يقول «أجازة نص السنة والأجازة الكبيرة اقروا فيها وذاكروا»، يكفي أن نقول أننا حتى مرحلة الثانوية لم نعمل وأقنعته أمي بعد جُهْد أن نعمل ونخرج خارج بوتقة الكتب والكُتَّاب.

(3)
في تسعينيات القرن الماضي وبنجع أبو شافع قرية الحرجة بحري تزوج أبي بأمي، ولأنهما قريبين ومن عائلة واحدة، كانت الدنيا ميسرة من حيث السكن، سيسكن في بيت أبوه وفي النجع ووسط عائلته، وحتى لو رفض أن يسكن في بيت أبيه سيتخذ بيتًا قريبًا في النجع وسط العائلة، غير أن أبي قرر أن يترك النجع والقرية ويهجر حياة الريف ويسكن في المدينة (البلينا).

اقرأ أيضًا 
ليت زمن الكتاتيب يعود يومًا .. في حب الشيخ جمال أبو قرقار

وفلسفته في هجر النجع والنزوح للمركز تقوم على أن النجع تقليدي، لكن المركز سيعزز حلم التكوين وسيساعدنا على التربية والتعليم وتحصيل الثقافة.

واتخذ شقة في العقار رقم 13 شارع رقم 1 في المنشية الجديدة، ذات موقع مميز حيث أن آخر الشارع يستقر المعهد الأزهري ومركز الشباب والرياضة، فحول أبي حياتنا منذ أن كنا صغارًا إلى هذا النمط «المعهد للدراسة من 7 لـ 1، الكُتَّاب من 2 لـ 5، البيت يقرأ لنا ويراجع معنا»، أما في الأجازة فكان هذا هو النمط لكن أضيف عليه مكتبة الأسرة والقراءة للجميع، ورغم أنه كان يرفض التأخير خارج المنزل لكنه كان يرحب بأن أدخل البيت متأخرًا الساعة 12 بالليل لأني كنت في المكتبة من 6 مساءًا إلى منتصف الليل.

(4)
في أبي قسوة مخادعة لمن لا يعرفه، فمن يراه يشعر أنه قاسي لكن وسط طبقات قسوته المزعومة تظهر أمارات أنه طيب وحنين وغضبه أرق كثيرًا من خصامه، وربما الطبع الوحيد الذي أخذته منه هو طبع القسوة المخادعة لكن أكثر طباعي الإنسانية أخذتها من أمي.

(5)
لم يفرض علينا أبينا أي تخصص دراسي فقط اكتفى بإدخالنا الأزهر وإقحامنا في القراءة ومن الإعدادية أعطى لكل فردٍ فينا حرية الاختيار، فكان أخي علي يحب أغاني حكيم ومحمد يحب الشعبي بينما أنا أحب أغاني حليم وأم كلثوم، أما أختي فكانت تحب المذاكرة وتكره المطالعة، وإن حدثت أي مشادة يراضينا.

إقرأ أيضا
مبنى التلفزيون - جمال عبدالناصر

(6)
مواقف كثيرة مؤثرة بيني وبين أبي أكتفي بواحدٍ منها
لم يكن لدينا تلفزيون حتى عام 1997 م، وكنت أستمع للأفلام من صوت تلفزيون جارتنا العالي، وأحيانًا أذهب لشقة جارتنا، وهو لم يكن يرفض التلفزيون لكنه كان يكره أن أتعلق به، حتى جاء فيلم تسجيلي اسمه الزعيم مصطفى كامل لـ هشام سليم (وهو غير الفيلم السينمائي لـ أنور أحمد) ولم أكمل مشاهدته من باب الحرج لأن الوقت كان وقت الغدا، فقمت ودخلت غرفتي وأنا أبكي وقلت لأمي وكان أبي وقتها في القاهرة (يعمل) فأخبرته عبر شريط الكاسيت (كان الناس يسجلوا عليه بصوتهم ويراسلوا)، فقالت وسيم شاف فيلم تاريخ ومكملهوش وبكى، بعد شهرٍ من الواقعة وفي الفجر أيقظني وقال جبتلك التلفزيون (كان تلفزيون أبيض واسود وسطحه لونه أحمر) وفرحت جدًا جدًا وحضنته ثم نمت وأنا أحلم بفيلم مصطفى كامل وكل التاريخ، وأبي هو من أنبت حب التاريخ بداخلي، منذ أن كان يقرأ لي وأنا في السابعة من عمري كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي وكتاب نهج البلاغة.

الكاتب

  • باحث في التاريخ .. عمل كاتبًا للتقارير التاريخية النوعية في عددٍ من المواقع

    كاتب ذهبي له اكثر من 500+ مقال

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
5
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان