رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
1٬007   مشاهدة  

موسيقار الأجيال (22) لماذا تعتبر أغاني محمد عبدالوهاب الوطنية بمثابة ذاكرة مصر التاريخية

موسيقار الأجيال


أهلا بكم أعزائي القراء في الحلقة الثانية والعشرين من قصة موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وكنا قد بدأنا منذ الحلقة السابقة في الحديث حول الجانب القومي والوطني والسياسي في حياة محمد عبد الوهاب، وقلنا أن محمد عبد الوهاب هو أحد أفراد هذا الشعب الذين تأثروا بما مرت به مصر من أحداث ووقائع هامة حدثت في القرن العشرين، وبما أن محمد عبد الوهاب قد عاش عمرا طويلا فقد عاصر أحداث كثيرة أمدنا فيها بفنه المناسب لكل حدث وهو ما سنتحدث عنه تفصيلا على مدار الحلقات القادمة.

محمد عبد الوهاب وثورة 1919م:

محمد عبدالوهاب
محمد عبدالوهاب

شارك موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في ثورة 1919م، ووقف في مظاهرة الفنانين كما ذكرنا من قبل بل وأصيب فيها إصابة كادت أن تودي بحياته، والحقيقة أن وعي محمد عبد الوهاب السياسي كان قد بدأ في التفتح منذ ذلك الوقت وقد سهل عليه ذلك فيما بعد تعرفه على الزعيم الشعبي سعد باشا زغلول فضلا عن لقائه بفنان الشعب الشيخ سيد درويش الذي تبناه وقدمه للجمهور بصورة تليق به، ومعروف تاريخ الشيخ سيد دوريش السياسي فبالتالي أثر ذلك على فكر محمد عبد الوهاب وتوجهاته.

يقول محمد عبد الوهاب عن ذلك في كتاب محمد عبد الوهاب سيرة ذاتية، للكاتب فتحي رضوان: أتذكر أنه خلال الثورة قرر الزعماء تأليف مظاهرة كبرى من جميع هيئات الأمة وطوائفها للتعبير عن إجماعها واتحادها، وكان لابد للفرق التمثيلية من المساهمة في هذا الكفاح الوطنى، فقررت كل فرقة أن تسير في المظاهرة وهي تحمل علمها الخاص بها بينما يرتدى أفرادها ملابس تمثيلية لإحدى الروايات التاريخية المصرية، فبعضها كان يرتدى الملابس الفرعونية والبعض الآخر كان يرتدى الملابس البدوية، والبعض الآخر كان يرتدي الملابس الريفية وهكذا، وكان من نصيب فرقة عبد الرحمن رشدي اختيار ملابس رواية “البدوية” التي وضعها المرحوم إبراهيم رمزي للسير بها في المظاهرة، فارتدينا جميعا الملابس العربية نحن أعضاء الفرقة رجالا ونساء، وكنا بذلك موضع الإعجاب والحماس أثناء تلك المظاهرة.

بعد تلك المظاهرة بثلاث سنوات أتاح الحظ السعيد لمحمد أفندي عبد الوهاب فرصة لقاء المرحوم الشيخ سيد درويش خلال عمله بفرقة على الكسار، ثم دعاه بعدها الممثل فهمى أمان لحضور بروفات أوبريت شهرزاد للشيخ سيد درويش في مسرح برنتانيا، وهناك اسمتع محمد عبد الوهاب لأول مرة لأغنية أنا المصري كريم العنصرين وأصابته نشوة من جمال اللحن مصحوبة بحماس جعله يخرج من باب المسرح وهو يجري حتى وصل إلى ميدان محطة مصر حيث جلس على الرصيف ليلتقط أنفاسه واللحن يدوى في رأسه ووجدانه كأول لحن وطني يستمع إليه ويبعث في نفسه الرغبة في أن يكون له دور في إنتاج الأعمال الوطنية.

موسيقار الأجيال
موسيقار الأجيال

أما عن تعرف محمد عبد الوهاب على الزعيم الراحل سعد زغلول، فقد تولى أمير الشعراء أحمد شوقي بك تلك المهمة في منتصف العشرينيات، يقول محمد عبد الوهاب عن ذلك: من الذين رأيتهم عن طريق شوقي بيه، المغفور له سعد باشا زغلول وكان سعد صديقا لشوقي، فكانا كثيرا ما يتبادلان الزيارة، وقد أحبني سعد فكان إذا زار شوقي ولم يجدني في البيت استفسر عني وطلب أن أحضر ليراني، وقد ذهبنا إليه مرارا في بيت الأمة وفي منزله بمسجد وصيف، وكان سعد يصر على أن يناديني باسم أحمد، لست أدري لماذا، وقد حاول شوقي مرارا تذكيره بأن اسمي محمد وليس أحمد، فكان سعد يذكره مرة ثم يعود ليناديني باسم أحمد من جديد، ومن الأغاني التي كان يحبها سعد أو لعلها الأغنية الوحيدة التي كان يحب دائما أن يسمعها مني دور “ياما انت واحشني وروحي فيك” وهي من تأليف شوقي بك، وكان يغنيها المرحوم عبده الحامولي ويبدع في غنائها قديما، فكنت كلما ذهبت إلى مسجد وصيف لزيارة سعد باشا زغلول غنيتها له، ولا أريد أن تمر هذه المناسبة دون أن أذكر لصديقي الأستاذ مكرم عبيد موسيقية أذنه أو عذوبة صوته أو حبه وتعلقه بالغناء، فقد كان دور ياما انت واحشني يحتاج إلى مذهبجية أو سنيدة بلغة العهد القديم وهو مايسمي بلغة الموسيقى “بالكورس”، فكان مكرم عبيد يبدي استعداده ليقوم بدور المذهبجي، وكان لتفهمه الفطري للموسيقى وجمال صوته يؤدي المهمة على خير وجه، وكان سعد يطرب للغناء فيدق بيده خلال غنائي.

لذلك فلم ينتج محمد عبد الوهاب من ألحانة أي غناء وطني خلال تلك الفترة وإن كانت قد أثرته بالكثير من المشاعر التي ألهبت فكره السياسي والوطني والقومي فيما بعد وهو ما بدا بعدها في فترة العشرينات.

أول أغاني محمد عبد الوهاب الوطنية

عبدالوهاب
عبدالوهاب

كانت أغنية (على يوم ما أخدونى الجهادية) التي كتبها المرحوم محمد يونس القاضي هي أول أغنية وطنية فى مسيرة موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وقد لحنها لنفسه وغناها في عام 1925م، وكانت كلماتها وموضوعها عن الجيش الوطني المصري وفيها: على يوم ما أخدوني الجهادية، وقرايبي بيبكوا حواليا، شافوني لابس بدلة جهيدي والبندقية شايلها في إيدي، جابولي ابنى بيرضع بصوا عليه وعيوني بتدمع، وقلت له يابني اسمع واوعى تأثر فيك حنية.
صحيح غنى محمد عبد الوهاب قبل ذلك قصيدة المرحوم الشيخ سلامة حجازى إن كنت فى الجيش أدعى صاحب العلم فإننى في غرامى أدعى صاحب الألم وذلك في مرحلة المحاكاة والتقليد في بداياته كمطرب ناشيء، إلا أنها أغنية عاطفية الطابع في الأصل وليست أغنية وطنية.

دائما ما كانت الأحداث التاريخية أحد الأسباب التي تستحث شعور الفنان لإنتاج ألحانه وأغانيه الوطنية والسياسية، لذلك كان لقيام الحرب العالمية الأولى الفضل في تعريف الشعب المصري بأهمية وجود جيش وطني للدفاع عن مصر، خصوصا وأن القاهرة كانت قد قصفت بالطائرات الحربية لأول مرة في تاريخها خلال تلك الحرب، وكذلك كان لها الفضل في ظهور العديد من الأغنيات الوطنية التي تشجع على الانخراط في صفوف الجيش الوطني والتخلي عن دفع البدلية، وكان سيد درويش قد قدم لحناً شهيراً كما ذكرنا في قصته من قبل بعنوان ” يا أمى ليه تبكى عليا وانا رايح الجهادية ” وهي أغنية وطنية الطابع من تأليف المرحوم محمد يونس القاضي أيضا وغناها الشيخ سيد بنفسه كما غنها العديد من المطربين والمطربات في ذلك الوقت.

أما ثاني أغنيات محمد أفندي عبد الوهاب الوطنية فكانت أغنية من كلمات المرحوم محمد يونس القاضي أيضا، وقد غناها في منتصف العشرينات تقريبا، وفيها يا مصر حسنك ماله مثيل من صغر سنى قلبى يميل لشكل أهرامك والنيل، ولكن للأسف هي أحد مفقودات موسيقار الأجيال كغيرها من الألحان الكثيرة التي جاءت في الكتب ولم نسمعها، وهو موضوع سنفرد له حلقة خاصة، على أية حال فمصدر تلك الأغنية الوطنية الوحيد هو كتاب كتبته حفيدة المرحوم الشيخ محمد يونس القاضي.

إقرأ أيضا
منيرة ثابت
YouTube player

أما أول أغنيات محمد عبد الوهاب الوطنية التي تفاعل فيها مع حدث قومى عروبي فكانت “موال دمشق” وهو غير قصيدة دمشق (سلام من صبا بردى أرق ودمع لا يكفكف يا دمشق) التي غناها محمد عبد الوهاب وسمعناها بعد ذلك، وهو في الحقيقة موال مفقود صاغه أمير الشعراء أحمد شوقى بالعامية ولحنه وغناه محمد عبد الوهاب خلال ثورة سوريا على المستعمر الفرنسى العام 1928م والحريق الذي تعرضت له في ذلك الوقت وفيها:
دمشق كان يوم مقدر لعبته الأقدار، ومين يرد الفلك يمنعه إن دار، قلت الحريق قلت فى الجنة تقولوا النار، يا بنت مروان كووا قلبك ودى النار، على اللي ماتوا كرام تحت العلم أحرار.
وبذلك يصبح عدد الأغنيات الوطنية التى قدمها الموسيقار محمد عبد الوهاب فى العشرينيات، ثلاث أغنيات فقط، وهو عدد قليل جداً إذا ما أخذنا في الاعتبار أن ظهور محمد عبد الوهاب وبزوغ نجمه إنما جاء بعد غزارة نتاج الأغنيات والأناشيد الوطنية التى صاحبت ثورة 1919م وما بعدها، خصوصاً للمرحوم الشيخ سيد درويش.

تساؤل ومحاولة تفسير لا تكتمل:

سعد زغلول
سعد زغلول

لعل من الأمور الغريبة التي أقف عندها كثيرا والتي لم أجد لها تفسير حتى الآن بخصوص أغنيات محمد عبد الوهاب الوطنية وأغنياته للحكام والزعماء، أن محمد عبد الوهاب لم يقدم أغنية في رثاء الزعيم الراحل سعد باشا زغلول، وهو أمر من الغرابة بمكان، ذلك أن سعد باشا قد توفي في عام 1928م، وفي ذلك الوقت كان محمد عبد الوهاب بصحبة شوقي بيه ومقيم معه وهو صديق مقرب لسعد باشا، فضلا عما حكاه عبد الوهاب نفسه عن صلته بسعد باشا وأنه كان يزوره برفقة شوقي بيه بل ويغني له، وهو موقف لا تفسير له خصوصا وأن شوقي بيه كان من أفضل من كتب قصائد الرثاء ولا ننسى رثائه الشهير لمصطفى كامل باشا المشرقان عليك ينتحبان، الأمر الذي يزيد من غرابة ذلك أن أم كلثوم قد غنت في ذلك الوقت رثاء شاعر الشباب رامي لسعد باشا زغلول (إن يغب عن مصر سعد فهو بالذكرى مقيم) من ألحان المرحوم محمد القصبجي، ولم تسجلها الآنسة أم كلثوم على اسطوانة فحسب، بل ذهبت بنفسها وغنتها في بيت الأمة بحضور السيدة صفية زغلول في ذكرى أربعين سعد باشا، لذلك فنتاج محمد أفندي عبد الوهاب من الوطنيات خلال تلك المرحلة يعتبر ضئيلا جدا خصوصا لو قارناه بما غناه عبد الوهاب بعد ذلك على ما سيجيء في الحلقات القادمة.
وإلى هنا أعزائي القراء نكون قد وصلنا إلى نهاية الحلقة على أن نكمل الحديث في حلقات قادمة إن شاء الله.
دمتم في سعادة وسرور.

الكاتب






ما هو انطباعك؟
أحببته
2
أحزنني
0
أعجبني
4
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
‫إظهار التعليقات (2)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان