رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
680   مشاهدة  

حياتي يوم الزلزال.. ويوم عيد ميلاده الـ30

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي وتجديد الخطاب الديني

    كاتب برونزي له اكثر من 100+ مقال


الزلزال

أعزائي مواليد التسعينيات وأبناء الألفية التالتة، قدامى المصريين (اللي همه مواليد التمانينيات وأنت راجع في اتجاه نشأة الكون) لما حد منهم يقول “زلزال” مُجهلة كدت.. طبيعي أنكم تسألوه: فين؟ وأمتى؟.

إنما لما نقول، لأني معاهم، “الزلزال” باستخدام ألف ولام التعريف.. فمافيش مجال للاختلاف، هنا إحنا بنتكلم بكل وضوح عن زلزال سنة 1992م.

زلزال يعيش أزمة منتصف العمر

يوم الأربع اللي فات، أتناشر أكتوبر، حلت ذكرى “الزلزال”.. وهو حدث عاشته نسبة كبيرة جدًا من السكان الحاليين لبلدنا، بكامل تفاصيله وتبعاته.. وتوابعه.

حدث عنده اسم “الزلزال” وعنده سِن “30 سنة” وعنده ذاكرة، كان فاضلّه أيدين ورجلين ولسان يحكيلنا بيه إنه اليومين دول عايش أزمة منتصف العمر.

هزة الميلاد

سنة 92 كنت لسه تلميذ في تانية ثانوي، ضمن مئات الطلبة المقيدين في مدرسة العباسية الكهربائية، المدرسة كانت فترتين، ومن حظي أني أكون وقتها من زباين الفترة المسائية.. أني أعيش تلك الهزة التاريخية وأنا مراهق تحت الإنشاء في مدرسة صنايع.

شاءت الظروف الجيليوجية والفلكية أن الهزة دي تحصل في أتناشر أكتوبر، الموافق يوم تلات، يمكن ده أحد أسباب تشاؤم ناس كتير من التلات لحد النهارده، يمكن كمان يكون ده سبب حبي له.. أو بمعنى أدق تعاطفي معاه.

وصف تقريبي للمدرسة

المدرسة كلها كانت 3 أو 4 تدوار، على ما قادر أفتكر، أول ماتخش من الباب تلاقي على أيدك الشمال مكان تم تخصيصه كجامع (كنا في التسعينيات والجوامع المدرسية حلت محل مكان أوض الموسيقى أو الرسم أو أي نشاط تاني ينفع تحريمه أو وصفه إنه لا ينفع).

في وش الباب جنينة تافهة، مافهاش غير شجرة واحدة كبيرة وشوية زرع مجهول، كانت مقفولة على طول.

بشكل عام كانت الأماكن المطروقة في الدور الأرضي هي: الحوش.. الحمامات.. الكانتين.. مكتب ومخزن مخصص لمدرس الألعاب، بالإضافة لورشة قسم الكهربا.. صاحبة المعدات الأتقل، واللي بتحتاج في بعض الأحيان وصلات كهربا خاصة بيها.

أما الدور الأول فتم تخصيصه لمكاتب الإدارة (المدير، الناظر، شؤون الطلبة.. أوضة المدرسين.. والبوفيه اللي هو نفسه أوضة عم صلاح الفراش.. إلخ).. بالإضافة لورشة قسم الألكترونيات ومعمل الكمبيوتر ومعمل الكهربا.

أما الأدوار التاني والتالت (والرابع حال وجوده) فكلهم مخصصين لفصول النظري، وهي فصول عادية زي أي تصميم تقليدي لأي مدرسة.

الحصص أرزاق

بما إننا في مدرسة ثانوي صنايع وقريتوا بنفسكم أن فيها ورش ومعامل، فالعادي يكون عندنا يوم أو يومين عملي في الأسبوع، ومن حظي أني وقتها كنت في فصل 2/5 (قسم ألكترونيات).. واللي بالصدفة كان مكانه في جدول توزيع أيام العملي هو يومين التلات والأربع.

يعني صدفة يوم التلات دي خلتني يومها في تالت أقرب (نقطة مأهولة بالطلاب) لباب المدرسة، هاكون محتاج بس اجري طُرقة مش طويلة.. ثم “أنعطف يمينًا” فألاقي “الطريق المنحدرة” عبارة عن سلم بيتكون من حوالي عشر سلالم بالكتير بعده واحد تاني زيه وأبقى كده وصلت الدور الأرضي، أخد شمال ع الحوش أو يمين على باب المدرسة.. كل واحد وزي دماغه ما تجيبه.

لعبة الأقدار

بس أعجب ما حصل يومها أني فضلت أشاغب واستفز استاذ العملي، اللي لسه تحت التدريب، هسميه “أ. ريمون”، لغاية ما حرمني من الحصة وعاقبني بالطريقة الكلاسيكية.. أقف وشي في الحيط وأرفع أيدي لفوق، بس بعيد عن التدريب… هناك في الركن، عند باب الورشة.

تلاتين ثانية رَقَّصِت الجميع

فجأة سمعنا صوت فرقعة عالي جدًا، كله ساب اللي فإيده ووقف أما بالنسبة ليا فنزلت أيدي وبصيت بره الباب، أهتمام أ. ريمون ببناء شخصيته كمدرس مسيطر تفوق على فضوله وحتى على غريزة البقاء، فالأول حاول يسيطر على حالة البلبلة اللي حصلت في الورشة بإنه زعق بلدغته المميزة، اللي كانت سبب عقابي:

  • اقعد أنت وهو… ماحدش “يتحَيَك”..

أتثبتنا نُص تثبيتة، ماحدش أتحرك بس كمان ماحدش قعد يكمل شغل، حاول الشاب المجتهد إنه يدعم سيطرته بكمان شخطة.. لكن حركة الصفائح التكتونية لم تمهله.

أول ما المبنى بدءت يرقص بينا وكام حاجة وقعت من مكانها.. سيطرته اللحظية أتبخرت، كلنا جرينا على بره.. وكان المسكين أول المدهوسين. أما أنا فكنت أول الخارجين من باب الورشة.. بحكم موقعي الجغرافي، اللي باشكر عليه حبي للمشاغبة.. وصدفة يوم التلات.

الهروب الشنيع

مجرد ما عند السلالم كان طلبة معمل الكهربا، اللي ع السلم مباشرة، سبقونا وطايرين ع السلم المؤدي للدور الأرضي.. بس لسه مش كلهم نزلوا.

مع بداية وصول الفارين من الأدوار الأعلى الوضع في طُرقة الدور الأول بقى كارثي، مدرسين وطلبة وإداريين وعمال.. كله مافيش في دماغه غير حاجة واحدة بس، اجري من هنا. تقريبا دي كانت أول مرة ألاحظ أن التراتبيات الاجتماعية بأنواعها ينفع تبوش في لحظة فزع جماعي.

الطالب الهجاص..

أعتاد زميلنا، هسميه حسام، إنه يهجص علينا جامد، وحسام كان ضمن أصحاب الشنبات البارزة وعلب السجاير المخفية، ودول لهم سطوة تسمح له بالهجص مع ضمان تظاهرنا بالتصديق.. حتى لو بهوأت منه.

فماكنش يقدر يواجهه بالتشكيك الصريح في كلامه إلا حد من أعضاء الفريق نفسه، وعلى رأسهم ريعو، طالب “تغيير مسار” دخل المدرسة مش من سلم الإعدادية زي باقيتنا.. إنما عبر زوحليقة الثانوي العام.

أحد أهم أساطير حسام عن نفسه إنه معبود النسوان في العباسية وضواحي الوايلية، كان له مغامرات جنسية “تشيب.. تشيب”، بشكل يتنافى مع أهتمامه بالمجلات والصور السكس زيه زي باقي الطلبة.

والأبلة المسحولة

مش فاكر كانت بتدرسلنا ولا كانت كهربا، ولا فاكر اسمها.. فهسميها، أ. عزة.  كل اللي فاكره أن أ. عزة كانت بطلة أحدث أسطورة نسائية يروجها حسام عن نفسه.

عند بداية السلم النازل من الدور الأول.. وفي وسط التكدس البشري الساعي للفرار من المبنى المنهار، كل أعتقد أن المبنى اللي هو فيه بيُقع، كان اللقاء حسام خرج معانا جري من الورشة وعايز ينزل وأ. عزة طالعة من أوضة المدرسين متكعبلة.

في لحظة ما رِجل حسام لقت مكان ع السلالم.. قفشت أ. عزة في دراعه، فبقى هو عايز يجري وهي أكتفت بفعل التشبث.

  • اجري يا أبلة… اجري يا أبلة

كررها حسام مرتين وهو بيتحرك نزولًا.

أ. عزة أتحركت معاه بروحها وكيانها وجذعها وكل حاجة.. إلا رجليها، اللي أتسمروا في الأرض. ولحظها السئ.. كان تشبث حسام بأسطورته الجنسية أقل كتير من حرص أ. ريمون على بناء أسطورته كمدرس.

كسور من الثانية كانت كفيلة أن حسام يحسم قراره ويكمل نزول بسرعة، المسكينة أتجرجرت معاه بس كانت معطلاه، والضغط بيزيد من فوق مع استمرار وصول الفارين من الأدوار الأعلى. فجاءت اللحظة الحاسمة..

رغم أن كل اللي بينا وبين الأرض عشر سلالم.. بس الفزع بيعطل كل قدرة ع التفكير، حسام هبد أ. عزة بالرجل عشان يفك نفسه منها، فسقطت المسكينة في قلب طوفان المذعورين.

تضارب المشاعر

الوصول للشارع كان بداية شعورين، الشعور بالأمان أن الإنسان نجح في الهروب من المدرسة اللي بتقع.. والشعور بأن فيه كارثة وموضوع كبير.. لما شوفنا كم البشر المفزوعين زينا وهربانيين من مباني مختلفة.

بس الشهادة لله الإحساسين تراجعوا قصاد “الحملقة” في ديفيليه الملابس الداخلية المنصوب في الشارع.

إقرأ أيضا

يوم جميل وذكرى لعينة

الأربع اللي فات قضيت يوم من أيام شبابي المنصرم، قبل ما أعرف في أخره أنه عيد ميلاد الزلزال، من صباحية رعنا في مكتبة عامة، باجمع داتا عشان كتاب جديد شغال عليه. خلصت ورجعت على مكتب محام صديق في وسط البلد أريح وأشحن التليفون وأشرب حاجة.

يادوب نصاية ونزلت أقابل صديقي العتيق، محمد إبراهيم، ولإنه وصل بسرعة أخدت قهوتي في أيدي، أتقابلنا عند ممر الجريون.. سلامات طيبون.. عدينا الممر.

سلمت على طه اللي في ماركت ثروت.. عن طريق إطلاق صيحة مميزة، هو حافظها وصاحب المحل بيكرهها واللي معدي بيتخض منها. قعدنا في التكعيبة.. شربت حجرين مع القهوة اللي جايبها معايا.

أتونسنا شوية وضحكنا شويتين على نمر الحياة.. لحد ما كبس عليا ميعاد اجتماع بخصوص تأسيس دار نشر معنية بالشأن الأفريقي، قبل ما نمشي من القهوة دخلنا أتفرجنا على المتحف الأزرق، للفنان الجميل محمد أبو النجا، ضمن معرض حي القاهرة الدولي للفنون.

ختامه شِعر

ختمت اليوم في مقر دار ميريت، حضرت تدشين ديوان “لا لغة للحب” للشاعر سليم العبدلي. استمتاع بالشعر وبالصحبة الجميلة المتنوعة، شعرا ومزيكاتية والمفيد كمان مصورين، فالمواطن يقابل الفتوغرافر البديع، عادل وسيلي، ويستغله في صورتين “عادة” لزوم التوثيق.

ليت الشباب يعود يومًا

بعد ما قضيت بالشكل الجميل والممتع ده، في البيت حل الإجهاد، فحسيت بانقضاء الشباب واضح جليًا، مش عشان القرعة ولا الكرش الكورتيزوني اللعين.. إنما لأن هذا البرنامج الحافل كان طبيعي ومعتاد، حين كنت شابًا والزلزال ما زال طفلًا. وكان ينفع حتى البرنامج يضم حفل راقص في بوب أو هاوس بارتي.

في نهاية اليوم أفتكرت أنه عيد ميلاد الزلزال، أسترجعت طعم الرعب اللي عيشني فيه من 30 سنة، وبقدرة قادرة دماغي استدعت طعم الرعب اللي عيشته على مدار اليوم بس كنت بحاول أغلوش عليه.

هزة منتصف العمر

لما بقيت لوحدي بقيت مستطعم الرعب ده كل دفعة واحدة، وأنا باسترجع تفاصيل يومي الطويل.

ممر آفتر إيت اللي مادخلتهوش عشان أتفادى عدم وجود عم فؤاد مهران، كوز البيرة اللي ماعرفتش أشربه عشان ستلا قفلت، أني ما أطلقتش صيحة السلام بتاعت عم سعيد عشان قهوة الندوة قفلت، أني ماشوفتش عم ريان بتاع الورنيش اللي كان بيقعد على بابها.

أن سوق الحامدية بقى فيها شيشة، بس ماعدش فيها أ. طلال.. صاحبها السوري (اللي ماظنش إنه عاش في مكان غير مصر). أني ماشوفتش في التكعيبة لا أسامة ولا سيد وجعورة ولا أي حد من طقم العشرة الجميلة، لأن كلها أتفركشت بعد المعلم المودرن أحمد ليبتون ما قابل وجه رب كريم.

حتى ميريت مش في مكانها التاريخي، 6 ب قصر النيل، اللي عيشت فيه أحداث كتيرة ومتنوعة.. منها على سبيل المثال قعد الصلح بين الكبيرين أحمد فؤاد نجم وسيد حجاب، (الترتيب أبجدي).

قاتل الله ذلك الزلزال اللعين، اللي فزعني وأنا مراهق وعكنن عليا وأنا رجلٌ كهل…

وسمعني يا ابني أحلى سلام للعمر اللي أتدلدق.. قول يا حكمدار.. قول

الكاتب

  • رامي يحيى

    شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي وتجديد الخطاب الديني

    كاتب برونزي له اكثر من 100+ مقال

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
3
أحزنني
3
أعجبني
6
أغضبني
0
هاهاها
3
واااو
3
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان