تقرأ الآن
مفلسين : عملة تتسكع من الإسكندرية إلى أسوان..مائة جنيه مصري بين القسوة والأمل

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
178   مشاهدة  

مفلسين : عملة تتسكع من الإسكندرية إلى أسوان..مائة جنيه مصري بين القسوة والأمل

  • صحافي مصري شاب مهتم بالتحقيقات الإنسانية و الاجتماعية و السياسية عمل في مواقع صحافية محلية و دولية عدّة

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال


لأعرفكم بنفسي  أولاً أنا مائة جنيه من مواليد 2015 وسأحكي لكم قصة طرفي القسوة والأمل في إحدى المرات نمت  ليلة هانئة في إحدى ماكينات الصرف الألي الواقعة أمام إحدى فروع شركات الإتصالات  وهي تحديدًا في 4 شارع عز الدين عمر القريبة من منطقتي المريوطية و الهرم و هو مكان حيوي لدرجة أنني استيقظت في الساعات الأولى من الصباح فرغم ضجيج التكاتك المتكدسة وصخب سائقيها إحداهما الشابين الذين رأيتهما أثناء دخولي ماكينة الصرافة وكانا يعترضان أحد المارة بإلحاح :”توك توك يا بطل”؟..”توك توك يا أنسة”؟.

لقد كان المشهد معتاد بالنسبة لي رأيته قبل المجيئ إلى الجيزة لكن على أية حال أنا سعيدة بأنني قريبة من الأهرامات سعادة أكبر من سعادتي برائحة الشاورما القادمة من احدى المطاعم الملاصقة لفرع شركة الاتصالات وهو مطعم يقدم الأكلات السورية المختلفة لكني أفضل الشاورما فهي تحبني كثيرًا حب يفوق عبودية البشر التي أحظى بها ولا أعلم لماذا لكن الأرجح هو أنني كلما ذهبت إلى  ماكينة الكاشير أنقذتها من نار أمامها ورجلًا يمسك سكين خلفها إنها فرحة تفوق تلك التي أكون فيها ضمن مبلغًا دبر أحدهم حاله به.

ها هي الأن الساعة تدق الثامنة صباحًا سمعت صوتًا نسائيًا كلاسيكيًا قادمًا من راديو في إحدى المقاهي أمام شركة الاتصالات وكانت رائحة التكاتك التي يفوق عددها الناس الذين بدأوا في النزول من بيوتهم لأعمالهم و التلاميذ إلى مدارسهم والباعة اجائلين الذين أفترشوا الأرض و بدأت رائحة الشاورما تختفي رويدًا رويدًا من أثر الأتربة والغبار ودخان السيارات  وبدأت أشعر  بالاختناق داخل هذا الصندوق الحديدي اللعين كلما تقدم الوقت كلما تسلطت أشعة الشمس على الماكينة فدعيت الله أن يأتي من يخرجني في هذه اللحظات لكني تذكرت أنني أخر ورقة  مائة جنيه  وأنني أجلس وحيدة محاطة بين الأوراق فئة الـ200.

إقرأ أيضًا…كلب ودمية وفاشل .. ملخص مناظرة ترامب وبايدن

جاء موظف شركة الاتصالات ليفتح الفرع وكانت الساعة قد دقت التاسعة وهو وقت مناسب ليأتي من يخرجني من هذا الجحيم سمعت صوتًا عاليًا ولكن لم أعرف ما الذي يحدث أصبح الصوت يزداد ثم وقف أمامي بعدة أمتار شاب عشريني كان يدخن سيجارته “البلمونت”  وسط الشارع وينظر بعمق ويرتجف وتوقف مكانه ثم صاح :”يامحماااه….لم البضاعة بسرعة عشان البلدية..هنا بدأ صوت سيارات الشرطة يهرع في الشارع القريب من شارع الهرم المتفرع منه شوارع لا تعد ولا تحصى و أدركت حينها أن هذا الشاب من الباعة الجائلين وكان الشاب الذي بدا  عليه التوتر الشديد يضرب قدميه في الأرض وهنا  أدركت أن سيارات البلدية القادمة من الشارع الخلفي كانت  تلقي القبض على الباعة الجائلين بطريقة  “الكماشة” المعروفة.

توقفت سيارات البلدية أمام المطعم السوري المواجه لفرع شركة الاتصالات للمعاينة ونزل أحد موظفي الحي وهو سائق سيارة تويوتا “دبل كابينة” تابعة للحي كان الرجل يشبه كثيرًا الشاعر أمل دنقل  الذي أعرفه جيدًا منذ أن كنت في جعبة أحد المثقفين حوالي أربعة أيام وكان متعلقًا بأمل دنقل وأشعاره حتى تركته في احدى شوارع الاسكندرية بعد ان اشترى الكثير من الكتب زهيدة الثمن  كان موظف الحي ذو عينان ضيقتان وشنب صغير وأنف كبيرة وشعر غير منمق كان يشبهه حتى في جسده النحيل ووجهه الشاحب الذي يشبه طمي النيل ويبدو أنه كان ينتظر أحد ثم أخرج من جيبه محفظة باهتة وبنية اللون وأعطى شاب لا يتجاوز عمره 18 عام بعض النقود ثم تقدم أمتار فأصبح قريب من الصراف الألي وأخرج من جيبه هاتفه المتهالك ماركة “نوكيا” الذي بدأ في الاهتزاز والرنين ورد قائلًا:”انا اديت مصطفى الفلوس انتوا جبتوا العلاج لـ تقوى؟.

أغلق الهاتف وبدا عليه خيبة الأمل فيبدو أن الرجل لم يستطيع أن يدبر المبلغ كاملًا أقترب منه أحد زملاؤه في العمل لاحظ أنه ابتعد عن المشهد تمامًا ثم سأله :”مالك يا عم  خالد؟.. فحكي له أن تقوى اكبر ابناؤه تحتاج إلى علاج بعد أن تدهورت حالتها وتوقف المبلغ على مائة جنيه رغم أن راتبي الذي حصلت عليه أول أمس أعطيته لإبني ليشتري الدواء وهنا أخرج صديقه “الفيزا كارت” وأخرجني إلى النور… كم هي متعة أن تتسكع نهارًا في شوارع الجيزة لكن هذا الرجل المسكين يحتاجني كما أحتجته فقد أخرجني من الضيق وأنا ذاهبة لأخرجه من حزنه وتحصل ابنته على العلاج .

استاذن الرجل سائقًا أخرًا من حي العمرانية ليكمل الجولة بدلًا منه وفر بي إلى إحدى فروع سلسلة الصيدليات الشهيرة بمنطقة الطالبية في شارع الملك فيصل الشهير بالجيزة وكان الشاب نفسه الذي أخذ منه المال أمام المطعم داخل الصيدلية يبكي وأنهمر الرجل معه في البكاء ..متخافش يا أحمد أختك تقوى هتقوم إن شاء الله وهتخف  أخرجني الرجل من جيب بنطاله وتساءل الكاشير الذي قال له :”100 جنيه يافندم” هو مكانش ينفع تدوا ابني العلاج؟ وتحصلوا على بطاقته كضمان فرد عليه الكاشير لا يا فندم النظام ده مش موجود عندنا.

ذهب عم خالد وأبنه أحمد بعدما حصلوا على العلاج وبقيت في جعبة الكاشير بصيدلية الطالبية حتى جاء وقت خروجي مع أذان المغرب فبعد ساعات قضيتها بين رائحة الأدوية التي أصابتني بالغثيان خرجت مع بعض صديقاتي من فئة ال100 جنيه وكانوا لا يعرفون مصيرهم مثلي تمامً.

أتى رجل يدعى طارق السعدني كان صوته رخيم ذو شعر أبيض ورأس ضخمة كان أقرب  في جسده وملامحه إلى الكابتن أحمد شوبير حارس النادي الأهلي السابق اتضح أنه الـ area manager ووضعني وباقي أصدقائي في شنطة وبعدها مر على فروع أخرى للصيدلية وكانت الساعة حينها الـ10 مساءًا كانت الشنطة قد امتلئت بملايين الجنيهات.

اوقف طارق السعدني سيارته أمام إحدى الأبراج بمنطقة الزمالك وصعد بالاسنانسير  إلى منزل رجل يعى إبراهيم الشريف مالك سلسلة صيدليات “1207” ثم فتح الشنطة وقال لإبراهيم الشريف الذي كان يبتسم وقال طارق:” مش ناوي تخلينا نروح البنوك من برا برا يا ريس هو لازم كل يوم هنا؟..تحولت ابتسامته إلى تكشيرة وقال مالك سلسلة الصيليات بهدوء:” احنا من امتى فلوسنا بتتحط في بنوك؟.

دخلت مع اصدقائي من فئة ال100 وال200 خزنة كبيرة جدًا مساحتها تشبه الغرفة كانت مظلمة جدًا أوقفتني إحدى الأوراق فئة 200 جنيه قائلة:” هو انتي؟.. سألتها انتي تعرفيني منين؟..ضحك قائلة:” احنا ولاد بنك واحد بس انتي كنتي صغيرة ونسيتي..كانت هي تكبرني حيث طبعت عام 2010 أما أنا فتمت طباعتي عام 2015 ثم أخبرتني أنها هنا منذ عام 2013 ولم تخرج للنور قائلة:”اللي بييجي هنا مبيخرجش كان المشهد أشبه بالحكم المؤبد اما الخزينة كانت أشبه بالزنزانة كل واحدة منهن جائت من فروع الصيدلية بالمحافظات والقاهرة الكبرى.

الساعة الثانية صباحًا رن هاتف ابراهيم الشريف الذي كان نائمًا في الغرفة نفسها ورد قائلًا:”الحريق في فرع أسوان؟..ربنا يستر طيب البضاعة اخبارها ايه..يعني الحريق كله من برا ..أوك الحمدلله انكوا لحقتوا طفيتوها.. أوك أنا هبعتلك مبلغ بكرا تشطب الوجهة اللي اتحرقت من جديد فتح الخزينة وخرجت مع باقي زميلاتي وتعالت كلمات إحدى الورقات ممن  قضين سنوات داخل الخزينة :” طبعًا ما انتوا صف أول يا َبختكوا..عقبالنا..في السادسة صباحًا كنا في جعبة رجل يدعى أيمن يعمل في شركة الأدوية التي يمتلكها ابراهيم الشريف وركب طائرة أسوان في تمام الساعة الثامنة صباحًا.

 

استلم مدير فرع أسوان النقود وكان العمال قد قاربوا على الانتهاء من تشطيب الواجهة وأزالوا أثار الحريق الذي شب بسبب ماس كهربائي بالمبنى وعندما انتهوا من عملهم استلم المقاول أجره ثم دفعني مقابل بعض الحلوى لأبنائه في هايبر على كورنيش مدينة أسوان وهنا كانت المفاجأة..صوت من هذا؟..انه صوت عم خالد لكن ما الذي أتى به إلى أسوان أقترب من الكاشير وهو ينهي حديثه في هاتفه قائلًا:” تقوى الحمدلله اتعالجت في مركز الدكتور مجدي يعقوب وعملية القلب المفتوح نجحت واصحاب الخير كمان تكفلوا بباقي العلاج اشترى عم خالد بعض المشروبات الغازية والعصائر ثم وزعها على بعض عمال النظافة في الشارع فرحًا  بشفاء تقوى ثم تذكرت جملة شعرية لـفؤاد حداد كان يقرأها صديقي الاسكندراني المثقف “معادلة من طرفين الجحيم يساوي قسوة بني أدم والجنة فرط الحنان النور في كل أوان”.

الكاتب

  • صحافي مصري شاب مهتم بالتحقيقات الإنسانية و الاجتماعية و السياسية عمل في مواقع صحافية محلية و دولية عدّة

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان