تقرأ الآن
الأربع أجازة

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
180   مشاهدة  

الأربع أجازة

الزمن

علاقة الإنسان بالزمن أبدية.. فلا يمكن للإنسان أن يحيا في معزل عن الزمن كما لا يمكن للإنسانية أن تتقدم دون أن تدرك مرور الزمن وتتمكن من قياسه بشكل أو بأخر، بس الزمن ثابت والإنسان متغير.. الإنسان فاني والزمن باق، عشان كده بدأت علاقة الإنسان بالفلك من قديم الأزل.

طب وإيه علاقة الزمن بالفلك؟؟

سؤال فكرني بالجماعة بتوع نظرية التطور سقطت في أطفيح بس وكالة ناسا مخبية علينا، الطب والصيدلة دليل حي على صحة نظرية التطور، لأن ببساطة طول الوقت العلماء بيلجأوا لكائنات يجروا عليها التجارب العلمية.. عادة بتكون حشرات ثم فيران ثم بنوصل للشمبانزي أحيانا.

اقرأ أيضًا 
تاريخ 29 كيهك “قنبلة فكرية مزمنة كل يوم 7 يناير”

ليه ياترى مش بنستخدم السحالف أو الجمال أو غيرها من كائنات ينفع نستضعفها؟ الإجابة ببساطة هي دورة الحياة، العالم/الباحث محتاج يشوف نتيجة تجربته على عدد من الأجيال.. فيقدر يقيس مدى تأثير تجربته على تطور الكائن الحي، بالتالي بيلجأ لكائنات دورة حياتها أقل من الإنسان بكتير.

إيه بقى علاقة كلامك ده بالفلك؟؟

الإنسان عشان يعرف يتعامل مع نهر الزمن المتدفق بين نقطتين مجهولتين (لم يرى المنبع ولن يدرك المصب) كان محتاج دورة حياة أكبر منه بمراحل، عشان بملاحظة نمطها الثابت يقدر يرسم خريطة قواعد تسمح له ولأحفاده من بعده فهم كيفية التعامل/قياس النهر المذكور، بدل ما يغرقوا فيه.

يجوز أن بداية الخيط كانت سهلة نوعا ما، من الشروق للشروق = يوم، وفي اعتقادي دي أول وحدة زمنية أدركها الإنسان.. وبدء يتحرك على أساسها لحد ما كون خريطة فلكية بأمتياز.

اليوم = دورة كاملة للكوكب حوالين ذاته.

الشهر = دورة للقمر حوالين الكوكب (تقريبًا).

السنة = دورة للكوكب حوالين الشمس.

تقريبا كل حضارة من الحضارات القديمة صاغت تقسيمها للزمن عبر حدوتة أسطورية النزعة، فمثلا أجدادنا الكميتيين ضمنوا قصة التقويم الخاص بهم ضمن أسطورة نسبوا فيها عملية تقسيم الزمن وقياسه عبر تقويم دقيق للإله تحوت، حدوتة ظريفة دخل فيها تحوت رهان مع القمر من اجل مساعدة الإله نوت أن تجد وقت تحمل فيه من الإله رع، نجح تحوت أنه يكسب خمسة أيام كاملة أضيفت للسنة لتصبح 365 يوم بدل 360، وفي الأيام الزيادة دي أنجبت نوت 5 أبناء/آلهة (كل يوم عيل/إله).

تحوت
تحوت

يعني الناس كلها أتفقت.. فين الموضوع؟

البشر اتفقوا تقريبا على مختلف التفاصيل الزمنية ذات المرجعية الفلكية، بس حصل خلاف على الوحدات غير المستندة على تفاصيل فلكية.. من نوعية الفصل والأسبوع.

أجدادنا مثلًا في وادي النيل قسموا السنة على 3 فصول.. الفيضان، البذر، الحصاد (أخت، برت، شمو)، على الترتيب، كل فصل منهم 4 شهور، بخلاف الأغريق اللي قسموا السنة 4 فصول كل فصل 3 شهور.

أما بالنسبة لتقسيم الشهر نفسه لوحدات أصغر.. فأجدادنا جعلوا الشهر مقسم على 3 وحدات كل منها 10 أيام، والصينيين اختاروا نفس الأسلوب.. لكن البابليين اخترعوا الأسبوع وحددوه بـ7 أيام.. ومنهم انتقل لليهود، البابليين غالبا تأثروا بأن الكواكب المنظورة ليهم في الوقت ده كانت 7 بس، وفيه حضارات تانية عملت الأسبوع 8 أيام.. زي السلتك.

الأسبوع بشكله الكلاسيكي (7 أيام) انتشر بشكل كبير لأسباب كتير منها ارتباطه بالأديان الإبراهيمية، واللي طرحت للإنسانية فكرة أن الإله خلق الكون في 6 أيام وخد السابع أجازة (وبكده يكمل الأسبوع)، الإبراهيميين اتفقوا ع التنظيرة واختلفوا على يوم الأجازة، اليهود/السبت، المسيحيين/الحد، المسلمين/الجمعة، بالتالي نقدر نقول بكل ثقة أن تحديد الاجازة الأسبوعية بيوم من التلاتة دول هو اختيار ديني بحت.

الثورة على الأسبوع

في العصر الحديث ومع بداية انتفاض الإنسان (في أوروبا) ضد السلطة الدينية (الكنيسة) وكسر هيمنة الدين (المسيحي) على المجال العام، تعالت أصوات توضح الصبغة الدينية/المسيحية على التقويم، فظهرت بعض الأفكار تحاول محو هذه الصبغة.. عن طريق الخلاص من فكرة الأسبوع أبو 7 تيام (لإنه معتمد على طرح ديني).. وإلغاء التقويم الميلادي (لإنه يعتمد على حساب السنين من ميلاد المسيح).

التقويم الفرنسي

الثورة الفرنسية كانت رائدة في القصة دي، وفعلا كان عند مفكريها قدرة عالية من التجريد مكنتهم يشوفوا نهر الزمن عاري من التقسيمات السابقة وإنهم يقدروا يعيدوا تقسيمه من جديد بشكل مختلف. وفعلا قدموا تقوييم ونظام مختلف تماما للتعامل مع الزمن.

سنة 1793 قدمت حكومة فرنسا نظامها الزمني الجديد، السنة تمام 12 شهر.. بس الشهر متقسم على 3 أسابيع كل أسبوع 10 أيّام (زي التقويم بتاعنا)، الملفت إنهم تجرأوا على عدد ساعات اليوم وخلوها 10 ساعات، لكن اليوم الفرنسي لم يتأثر لأن الساعة الفرنسية بقت 100 دقيقة والدقيقة 100 ثانية (تخلصوا من النظام الستيني)، وبكده فضل خمس تيام بره الشهور تم تحديدهم أجازة وطنية (زي النسئ كده).

النظام ده صمد حوالي 10 سنين أو أكتر، لغاية ما وصل نابليون للسلطة وأطاح بكتير من مكاسب الثورة مش أولها التقويم ومش أخرها الجمهورية.

إقرأ أيضا
الصين

الأسبوع السوفييتي

قدم النظام السوفييتي تجربة شبيهة للخلاص من الإرث الديني للأسبوع ويوم العطلة المرتبط بنوع الدين، حين تقدم الرفيق يوري لارين (Yuri Larin) بمقترح مثالي عدديًا، حيث قام بتقسيم السنة على 12 شهر كل شهر 30 يوم.. وكل شهر يقسم إلى 6 أسابيع كل أسبوع 5 أيام، وبرضه يفضل 5 تيام في الأخر.. يبقوا همه الأعياد القومية للبلاد. لاقى المقترح إعجاب الرفيق الأعلى ستالين.. فتم اعتماده نهاية 1929، صمد النظام ده لغاية نُص 1940، قبل ما يرجعوا تاني للأسبوع أبو 7 تيام مع اعتماد يوم الحد أجازة رسمية للبلاد.

نتيجة تقويم في الزمن الماضي
نتيجة التقويم السوفييتي سنة 1930

وأنت بتحكيلنا الحكاية دي ليه دلوقتي؟

مؤخرًا رجعت الفكرة تظهر من جديد، المرة دي في جوبا (عاصمة ج. السودان).. عبر مقترح قدمته الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال كأحد النقاط المطلوب النقاش حولها مع الحكومة الانتقالية في السودان لتفعيل أحد أهم بنود إعلان المبادئ.. والخاص بتنظيم علاقة الدولة بالدين، والذي ينص على “ألا تفرض الدولة دينا على أي شخص ولا تتبنى دينا رسميا وتكون الدولة غير منحازة فيما يخص الشؤون الدينية وشؤون المعتقد كما تكفل وتحمي حرية الدين وممارساته، على أن تضمن هذه المبادئ في الدستور“.

جاء المقترح السوداني أكثر واقعية من سابقيه الفرنسي والسوفييتي، فقد استوعب مقدموه مدى رسوخ التقسيم الحالي. المقترح ببساطة هو أن الأجازة الأسبوعية تبقى يوم مش محسوب على أي ديانة، بالتالي نستسني من الأيام المرشحة للعب دور “الأجازة الأسبوعية” كل من (الجمعة، السبت، الحد).. فيبقى عندنا (الأتنين، التلات، الأربع، الخميس)، فاقترحت الحركة يوم الأربع كأجازة رسمية.

للأسف ولأسباب سياسيا تحتانية تم تسريب مسودة مقترحات الحركة، وتم ألتقاط مقترح عطلة الأربعاء تحديدًا وتحويله لمسخرة ومصدر للتريقة من ناحية.. ولشيطنة الحركة من ناحية تانية (بوصفهم أعداء الدين اللي عايزين يلغوا يوم الجمعة)، حاجة كده شبه أخوهم في الشمالي وهو بيشرح المدنية لجمهوره.

 

السادة المهاجمين هناك أو هنا الغلط راكبهم من ساسهم لراسهم، غلط ديني وقانوني وحاجة وحشة خالص، فمبدئيا كده بينفوا فكرة دولة المواطنة وعايزين يعمموا أمورهم الدينية على كافة البشر رغم أن الأمر القرآني بتمييز يوم الجمعة يخصهم وحدهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..)، مش بس كده ده مافيش فرض أجازة يوم الجمعة، (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).. يعني المؤمنين عادي شايفين شغلهم لحد ما يسمعوا الأدان.

والأجازة بعد الصلاة يعني؟؟

لأ.. حسب الآية 9 من سورة الجمعة مافيش أجازة: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) يعني الموضوع مش أكتر من وقت مستقطع المسلمين يروحوا يصلوا فيه، بالتالي مقترح الحركة مش بس مرتكز على إعلان المبادئ.. لأ ده كمان متفق مع نص القرآن.

طبعًا هنسمع أصوات كتير تتكلم عن أهمية تجمع الأسرة المسلمة يوم الجمعة حفاظا على تركيبها المجتمعي الديني الذي لا فكاك منه ليحيا الإنسان المسلم حياة كريمة قويمة سليمة.. وأي حد يفكر يهوب من الموضوع ده يبقى ضد الحريات وبينتهك حقوق الإنسان المسلم في بناء أسرة مسلمة.

الكلام ده من بره ممكن يبان كويس ومنطقي وجميل.. بس لما صادر من شخص عنده جار أو زميل مسيحي مش قادر يتمتع بنفس التفاصيل مع يوم الحد وزميل أو جار يهودي مش عارف يتمتع بيها مع يوم السبت، والشخص ده طنش عادي لأن الأجازة الرسمية في البلاد كانت الجمعة.. يبقى هو هنا بيدافع عن بقاء تمييزه المجتمعي القائم على أساس ديني، بس استخدم ألفاظ مختلفة عشان يبان ثوري وحقوقي ومناضل و.. و… و…

الكاتب

Content Protection by DMCA.com
ما هو انطباعك؟
أحببته
1
أحزنني
0
أعجبني
4
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slider


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

Scroll Up
error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان