تقرأ الآن
تذكرة ماتينيه..وسكة سفر إلى عالم بشير الديك 

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
118   مشاهدة  

تذكرة ماتينيه..وسكة سفر إلى عالم بشير الديك 

بشير الديك 

في تجربته الثانية كمخرج بفيلم سكة سفر الذي عرض على شاشات السينمات مساء اليوم الأول من العام ١٩٨٧ إصطحبنا السيناريست المبدع بشير الديك في رحلة محاكاة لواقع قرية بشمال شرق دلتا النيل لنعيش مع شخصياتها بداية تدهور الريف المصري .

سكة سفر فيلم من أخراج بشير الديك
سكة سفر فيلم من أخراج بشير الديك

الواقعية في السينما لا تعني فقط أن نشاهد كادرات تُصور شوارع حقيقية بتفاصيل نراها في حياتنا اليومية لكنها إعادة خلق للعالم الذي نعيشه ، يصنعه في البداية السيناريست الذي ينسج خطوط درامية تقودها شخصيات مثل التي نلمحها حولنا في كل مكان دونما إفراط في تناول مآسيها لأن الهدف صناعة فيلم سينما يمس مشاعرنا فنتعاطف مع الشخصيات و نستمتع بصرياً و نتشبع وجدانياً

 

كان بشير الديك وقت تصوير فيلم سكة سفر يمتلك تاريخاً سينمائياً كمؤلفاً ثم أهل نفسه لإخراجه بتجربة أولى في إخراج و تأليف فيلم الطوفان قبل ذلك بعامين و رغم تميز تجربته في صناعة سكة سفر لم يجلس خلف الكاميرا مخرجاً مرة أخرى غير أن له تجربة ثالثة مدهشة بعد ذلك بسنوات طويلة في إخراج فيلم تحريك ( أنيميشن ) كتب له السيناريو و الحوار بعنوان ( الفارس و الأميرة ) .  

 

قبل فترة الثمانينات كان الفلاح يعاني من الفقر دون شك لكنه كان يزرع أو يعمل في مهن تخص بيئته كالملاحات و الصيد بالقرى الساحلية لذا فالمقصود بإنحدار الأحوال الذي أشرت إليه في المقدمة هو هجر الزراعة و تبوير الأرض للبناء عليها فتتشوه الجغرافيا و تتفكك البنية المجتمعية للريف لأن العيدان الخضراء أُستُبدِلت بعواميد خرسانية تفصل بين حوائط من الطوب الأحمر تعيق البصر عن التمدد في البراح القديم الأخضر و تتمدد حتى تصل القرى بالمدن و تحولها إلى مناطق عشوائية ، كل هذا حدث نتيجة حُلم السفر إلى الخليج الذي يهدف في الأساس إلى العودة بعد سنوات شقاء في الغربة براديو كاسيت و مروحة و بطانية و تلفزيون ملون ثم إنفاق التحويشة المتبقية في هدم البيت الطيني و إعادة بنائه بالخرسانة المسلحة و هو ما عبر عنه بشير الديك من خلال دراما تحكي عن شخص يعود إلي قريته بعد خمس سنوات من الغياب لُيبهر أهلها بقميص مزركش و بنطلون كاوبوي و بأدوات منزلية حملها معه من غربته فيتولد لدى الجميع بالقرية تمرداً على الواقع يصحبه رغبة في البحث عن سكة سفر و عندما يهتدون للطريق الذي سيكلفهم من الأموال الكثير يغادرون في سيارة أجرة تقلهم إلى ميناء السفر بينما ملهمهم العائد من غربته كان قد أنفق كل ما جمعه و باع ما إشتراه من أدوات ليبدأ في الإستعداد لخوض سكة سفر جديدة .    

        

الدراما في منتهى البساطة كما نرى لكن الشخصيات مُحملة بتواريخ إجتماعية متنوعة رغم الإشتراك في نفس البيئة لذا فالشخصيات مختلفة في تكوينها الشخصي و تمتلك دوافع متغيرة تدفعها نحو السفر حتى و إن كان الهدف المنشود من السفر واحد و قد أظهر لنا سيناريو الفيلم ملامح كل الشخصيات بحرفة عالية من خلال حوار مقتصد و تعبيرات ملامح و مجرد نظرات أعين .

شخصيات الفيلم فريدة من نوعها بين أقرانها من شخصيات أفلام تلك الفترة أو التي أُنتجت من قبل و هي كذلك مازالت طازجة حتى وقتنا رغم مرور ما يزيد عن ثلاثين عاماً على طرح الفيلم للجمهور ليس فقط بسب طبيعة الأعمال التي تمتهنا تلك الشخصيات داخل الفيلم لكن بسبب تركيبتهم الشخصية المدهشة

العلاقات داخل الفيلم مبهرة و حقيقية و غنية بالمشاعر فبطل الفيلم عندما يعود لأحضان أمه يستنكر رائحة جسدها و هو يمازحها فنعيش معهما لحظات صادقة من الدفء ، و نتعاطف مع بطلة الفيلم الملهوفة للقاء حبيبها العائد بعد سنوات غياب طويلة و نحن نرى حرمانه الشديد من العاطفة على ملامحه و هو ينظر إلى عيينيها و يلمس جسدها المتفجر بالأنوثة .

و علاقات أخرى لأشخاص من نفس عمر البطل ، مدرس و زوجته يعانيان من قلة الدخل و إبن بقال يشفق على زوجته من بخل أبيه و تحكماته و جزمجي لا يستطيع أن يوفر مصاريف الزواج ، و علاقات لأشخاص من جيل سابق عن جيل البطل و أقرانه منهم جزار بلا محل جزارة ينفق مكاسبه القليلة علي الخمر و على زوجته الجديدة بينما زوجته الأولى و إبنته تشقيان من أجل الحصول على قليل من الدخل ، و كمسري خط سكك حديد القنطرة غزة الذي فقد مسكن عمال السكك الحديد بالقنطرة ذات الهواء الرحب لخروجه على المعاش و لا تكفيه مستحقاته الشهرية لتوفير الدواء لزوجته العليلة

عودة البطل بهيئته الجديدة جعلت كل هؤلاء يفكرون في إستلهام تجربته مع السفر ليغير واقعه المرير ، لكن إستقرار البطل بعد العودة جعله يتمرد على حبيبته التي إنتظرته أعواماً خمسة ليتزوج إبنة الرجل الثري الوحيد في القرية و يستثمر معه نقوده التي إدخرها و هو لا يعرف أن ذلك الغني ليس إلا طامع في أمواله التي جنيها بعرقه في سنوات الغربة القاسية .

 و لأن المرأة في سيناريوهات بشير الديك ليست مفعول بها لكنها فاعلة و لن ترض بأن تؤدي دور الضحية لذا تبادر حبيبة البطل و تسعى للإنتقام منه بالإرتباط بالشخص ذاته الذي تركها حبيبها من أجل مصاهرته فيخسر البطل نقوده لكنه يعافر و يسترد قصة حبه ثم يضطر لأن يسعى إلى سكة السفر مرة أخرى

مؤلف السيناريو هو عليم بالشخصيات لأنه خالقها و ذا فهم بتطورات الدراما لأنه شبّك خطوطها و بنى مناطقها و مخرج الفيلم يسعى عندما يمُسك بنسخة السيناريو الأخيرة لأن يحلل كل مايقرأه ليبدأ عمله و هنا مخرج الفيلم هو مؤلفه لكن لا يعني كل ما يمكله المؤلف من معلومات أن تكون مهمته سهلة في الإخراج ، إلا إذا كان يملك الحرفة و الموهبة و الخبرة ليؤدي عمله ، و قد أخبرنا بشير الديك و نحن نرى مشاهد الفيلم أنه مخرج متمكن من أدواته .

إختياراته للممثلين توضح إمتلاكه رؤية مميزة مكنته من حُسن تسكين الممثلين في أدوارهم من حيث الشكل و كذلك من ناحية الموهبة ثم بعد ذلك برع في توجييهم فأبدعوا في تجسيد الشخصيات و لم نر على الشاشة إلا دمايطة من مهن مختلفة تجمعهم شوارع و بيوت القرية .

نور الشريف لم يكن إلا زغلول إبن القرية العائد إليها متباهياً بما جناه فسار في شوارعها و جلس على مقهاها و إستقبل في بيته جيرانه ليشعر من نظرات إنبهارهم بتميزه عنهم ثم عاش صراعاً داخلياً بين زواجه من خطيبته حبيبة عمره و بين تركها للزواج من إبنة ثري القرية ليعظم ما إدخره من أموال و يؤّمِن مستقبله لتتحول مشاعره إلى الغضب بسبب إستيلاء صهره على أمواله و أيضاً لعدم قدرته علي تحمل الغيرة بسبب سعي خطيبته للزواج من غيره و هي مشاعر متناقضة و صراعات داخلية للشخصية و نقطة ضعف بها تميز نور الشريف في التعبير عنها و توضيحها بنظرات مُصدقة و بإنفعالات سليمة .

نورا جميلة الجميلات بمواصفات المكان و ذلك الزمن ، هي الأخرى كانت بالفعل نعيمة تلك الفتاة الريفية المشتاقة إلى حبيبها التي أصابتها الحيرة من تغير معاملته لها و تحولت إلى فتاة أخرى تسعى لغواية كبير القرية ليس فقط لتنتقم من حبيبها الذي غدر بها لكن لأنها بدلت طريقة تفكيرها لتبحث عن مستقبل أكثر أماناً ثم تكتشف سيطرة مشاعرها تجاه حبيبها الأول عليها فتتوقف قبل أن تتورط و تعود إليه .

رتيبة أم زغلول الأرملة الحنونة خفيفة الظل يقترن إسمها لدى أهل القرية بمهنتها كداية و هي تدرك ببصيرتها أن سلوك إبنها سيقوده حتماً إلى العودة للبحث عن سكة سفر مرة أخرى و بالتالي ستستعيد إحساس الفقد الذي تبغضه لذا تفضح نظراتها و ملامحها شعورها بالخوف من تكرار تلك التجربة شديدةة القسوة ، تقمصت شخصية رتيبة الممثلة القديرة عايدة عبدالعزيز رغم أن مواصفاتها الشكلية و تكوينها الإجتماعي و الثقافي مختلفين كلية مع مكونات شخصية رتيبة لكنها إرتدت جلباب رتيبة الريفي كمعنى و كمفاهيم و ليس مجرد رداء خارجي لذا لم نشعر بأي تشابه مع أدائها لدور الفلاحة قبل ذلك مرتين في فيلم المخرج محمد خان خرج و لم يعد أو في مسلسل زينب و العرش للمخرج يحيى العلمي و هذا يحسب لها كممثلة متمكنة تستطيع أن تفهم الإختلاف في طبائع الشخصيات و كذلك للمخرج لتمكنه من توجيهها إلى سكة تمثيل مختلفة .

 

الممثلة ليلى فهمي قدمت لنا بتميز و صدق شخصية هنية أم نعيمة التي تعمل خياطة على ماكينة بغرفتها في بيتها الريفي و هي أرملة كما رتيبة لكنها تكتم و لا تبوح لأنها تفهم ما يدور في نفوس المتعاملين معها ، عاقلة ، هادئة ، قنوعة ، قليلة الكلام ، لذا كان أدائها يعتمد على ملامح وجهها في أغلب الأوقات التي ظهرت فيها على الشاشة و بالتأكيد براعتها تلك تنسب لها هي و المخرج لأنه أجاد في توجيهها .

أحمد بدير في شخصية شحات الذي يجلس في حُق مساحته لا تزيد عن متر مربع واحد يُصلح أحذية أهل القرية مقابل قروش بسيطة و هو يقاوم رغباته الطبيعية تجاه إبنة خالته كشاب محروم بسبب فقره الذي جعله يكبر دون أن يستطيع الزواج منها ثم يرى صدق طفولته زغلول في أيامه الأولى بعد الوصول فينبهر بما جمعه من أموال و مزايا و يلجأ إلى تهريب البضائع من جمرك بورسعيد ليجمع تكاليف السفر فيُقبض عليه و يهان و تصادر بضائعه و يعود للقرية منكسراً ، كل تلك الصراعات الداخلية و الخارجية لشخصية شحات إستوعبتها كمشاهد و صدقت أحاسيسه لأنني لم أشعر بأن أحمد بدير يمثل دور شحات لكنه جعلني أتعرف جيداً على ذلك الشخص الساذج محدود الطموح المتحسر على حاله

بالفيلم شخصية إبراهيم ، كومسري على المعاش عاش عمره يعمل على خط سكة حديد العريشغزة و يشعر بالحنين لمدينة القنطرة التي عاش فيها طوال فترة خدمته في مساكن الهيئة لما يميز المدينة من طبيعة رحبة و مناخ جيد يتميز عن طبيعة الجو في بيته الحالي الضيق المخنوق وسط بيوت الحارة بالقرية إضافة إلي إحساسه بالعجز عن علاج زوجته المريضة و هي أحاسيس جعلنا الفنان عبدالمنعم إبراهيم نلمسها و نتعاطف مع صاحبها الكومسري الفقير و نشفق عليه عندما قرر مصاحبة شباب القرية في سكة السفر إلى غربة يشقى فيها رغم سنوات عمره

علي الشريف في شخصية سلامة عجلان الجزار المتعطل عن العمل لعدم قدرته علي إفتتاح دكان جزارة و هو معروف بين أهل القرية بإدمانه للخمور و بإهماله لزوجته و إبنتهما و بتمضية أغلب وقته في قرية أخرى مع زوجته الجديدة لكن سلامة من داخله يشعر بشفقة على حاله لأنه لم يحصل على مكانة المعلم كأقرانه من نفس عمره الذين يمتلكون محلات الجزارة و يحاول إقناع زغلول العائد من الغربة بمشاركته في تجارة اللحوم لكنه يفشل ثم يتأزم عندما تطرده زوجته الثانية جملات ( أمل إبراهيم ) بسبب فقره فلا يجد ملجأ إلا سكة السفر ليعود منها بأموال تحقق له حلمه ، كل تلك التفاصيل في شخصية سلامة تجسدت على ملامح وجه علي الشريف و من حركات جسده فأعلن عن طمعه بنظرات عينيه و تأثرنا من شعوره بالعجز وقت أزمته و أقنعنا بحماسه إلى السفر

تهاني راشد ظهرت في دور نواعم زوجة سلامة الأولى و أم إبنته و هي سيدة ، بشوشة ، ودودة مع جيرانها ، حنونة  على إبنتها ، مكافحة ، مخلصة لزوجها و معطاءة رغم سوء معاملته لها و أدت جيهان نصركانت وقتها في أولى تجاربها على الشاشةدور إبنتهما فاطمة التي يعيش في قلبها حبها لأبيها و تشارك أمها في الكفاح من أجل لقمة العيش

حسن مصطفى تحول في سكة سفر إلى شيخ البلد الثري الطماع المسيطر على قوت الغلابة توفيق العايق الذي يعود مراهقاً ، تُلهب مشاعره نعيمة بمفاتنها الأنثوية فينشغل عن كل أحواله ليتفرغ لها و يتمتع بجمالها في لحظات ضعف إنساني مبررة لرجل عجوز محروم من العاطفة بسبب طبيعته العمرية يجد نفسه متورطاً في عشق شابة بمثل هذا الجمال

شعبان حسين تلبسته روح المدرس طلعت الذي يعيش واقعاً بلون قاتم لأنه لم يحصل على مردود يناسب تعبه طوال سنوات الدراسة فيضطر للعمل بيده في قطعة أرض زراعية تملكها زوجته و مع ذلك لا يعينه ما يتحصل عليه منها في توفير إحتياجات بيته فيكتم إحباطه و هو يتخيل أن سنوات الغربة ضمنت لزغلول مستقبلاً أفضل ثم يتولد لديه التفكير في الوصول لسكة السفر ليعوض ما فاته رغم إنه سيذهب في مهنة عامل ( فواعلي ) و ليس كمدرس بعد أن إستنفذ كل المحاولات في الحصول على إعارة

إختار المخرج فاروق عيطة في شخصية مختار الذي ضج من العمل في دكان أبيه أيوب البقال لبخله الشديد و تسلطه و كذلك مل من إنتظار جواب التعيين في الحكومة الذي تأخر سنوات طوال فيقرر إقناع زوجته ببيع أثاث جهازها ليستطيع أن يضع قدميه على بداية سكة السفر ، و لا أعرف لماذا لم يحصل فاروق عيطة على فرص تمثيلية مميزة أو حتى عادية بعد هذا الفيلم رغم جودة أدائه و صدقه .                                                 

 

أدهشني كمشاهد ذلك الأداء التمثيلي العظيم للفنانالمظلومعبدالسلام محمد وهو يجسد شخصية مسعود الغلبان الذي يأكل الملح أطرافه و تخبرنا نظراته بمعاناته مع الجوع بكافة أشكاله ، عاطفة ، طعام ، سكن ، عزوة ، و تُعرفنا كذلك على تواضع إدراكه لما يحدث من حوله ، و إذا بحثنا في سيرة عبدالسلام محمد المهنية سنكتشف أن مخرج فيلم سكة سفر بحث عنه ليعمل معه في فيلمه لأن زملائه من المخرجين في تلك الفترة لم يكن من إهتماماتهم الإستعانة بموهبته الطاغية

 

كل من ظهر في لقطات الفيلم الأخرى كان مناسباً للشخصيات و معبراً عن مكنوناتها مثل نبوية موسى في دور ظريفة عمة شحات التي أصيبت بالخرف لكبر سنها و عثمان عبدالمنعم زوج خالة شحات الذي يعامله بغلظة و يعمل صياد سمك بمورد رزق محدود الإنتاج ، أحمد أبو عبية أقنعنا ببخله في لقطتين ظهر خلالهما نطق فيهما جملة واحدة ، قدرية كامل زوجة إبراهيم الكومسري المستسلمة لمرضها ، حنان يوسف البنت المرحة المنطلقة إبنة خالة شحات و مصدر سعادته في الحياة ، مروة الخطيب زوجة المدرس طلعت التي تشجعه على البحث عن سكة السفر ، عزة كامل زوجة مختار أيوب التي تستجيب لرغبة زوجها في بيع عفشها رغم حزنها على معاناة أبيها في توفير قيمة شرائه ليزوجها .    

                                 

حتى من كان ظهوره مجرد خلفية داخل اللقطة لم يكن إختيار المخرج له عشوائياً بل وفق ما تتطلبه الدراما من ناحية الشكل و تعبيرات الملامح مثل حسن توتالة في شخصية جلاجل خادم توفيق العايق الذي لم ينطق لكن بان خضوعه التام لمخدومه أو أحمد برقوقة في شخصية عطية جار زغلول و شلته بالقرية الذي وقف خلفهم في لقطة يتابع بعينيه المندهشتين ما يدور بينهم من حوار

 

لا يعرف بعض المشاهدين أن التصوير في الأستوديو يوفر الأمان للمخرج و لباقي طاقم العمل من كافة النواحي فغير الإنعزال عن البشر العادين و عن ما قد يسببونه من تعطيل فإن تجهيزات الأستوديو تضمن سير عملية التصوير في يسر و تسمح بالحصول على الراحة في أوقات الإنتظار للممثلين و أشياء أخرى كثيرة ، و قرار المخرج بالتصوير في الأماكن الطبيعية في قرية ذات طبيعة جغرافية محددة قد يجلب له المتاعب و يشتت ذهنه عن التركيز في مهامه لذا يعد إختياراً يحتاج إلى ثقة من المخرج في قدراته و في طاقته على العمل و في تمكنه من السيطرة على الممثلين الذين سيعملون في أجواء أصعب من التي يعتادونها و أيضاً هو قرار يعبر عن رؤية المخرج البصرية و الإبداعية في إخراج الفيلم .

 

إقرأ أيضا

إقرأ أيضًا…
سليمان البستاني.. شاعر وتاجر ألف دائرة المعارف وترجم الإلياذة

 

باقي عمل المخرج بعد إختيارات الممثلين و لوكيشن التصوير هو في إختيار التكنيك الذي سيصور من خلاله ممثلينه و هم يجسدون الدراما و يبدو أسلوب مخرج الفيلم غاية في البساطة فهو بهدوء شديد لم يشعرنا بوجوده خلف الكاميرا و ظل يسمح لنا بأن نعيش وسط الشخصيات لا أن نشاهدهم ، فكانت الكاميرا قريبة عندما تحتاج الوشوش أن تعبر و بعيدة لتوفر كادر واسع يتيح لنا أن نفهم جغرافيا الأماكن و الأجساد داخل اللقطة لنفسر العلاقات و نشعر بالأحاسيس و هذا يعني إنه كان دائماً في خدمة الدراما غير مشغول بأن يحرك الكاميرا أو الممثلين داخل الكادرات الثابتة دون داعي ليخبرنا إنه مخرج و كل تلك البساطة تعد براعة في إتقان الحرفة .


صورة الفيلم لمدير التصوير طارق التلمساني جيدة فقط ، فهي ليست بنفس مستوى تميز أسلوب المخرج أو أداء الممثلين لأن الإضاءة في بعض مشاهد الفيلم بدت مصطنعة و ليست طبيعية خاصة في أفنية البيوت و سيطر على الصورة اللون الأزرق كمود عام للفيلم في تعارض مع كل ما فرضه المخرج من واقعية على أداء الممثلين و من إختياراته لأماكن التصوير و للملابس و الديكورات

 

ديكور الفيلم من تصميم مهندس الديكور رشدي حامد و كذلك الملابس ، لم نشعر بالفارق بين الأماكن الطبيعية و بين الديكور المبني لواقعية التصميم و دقة التنفيذ على يد منفذة الديكور مريم ميخائيل خاصة مع تميز الإكسسوارات و مناسبتها للبيئة التي تقع بها الأحداث و هي مهمة نفذها مصطفى عبدالله و عباس صابر ، أما ملابس الفيلم فقد بدت طبيعية و مناسبة للشخصيات و حقيقية تماماً سواء ملابس نور الشريف المستوردة من الخارج وفق زوقه المنحدر أو الملابس المحلية لباقي الشخصيات رجال و سيدات .

الماكيير سامي صيام و الكوافير حمدي أحمد ساهما في تعميق حالة الصدق بالهيئة التي ظهرت عليها شخصيات الفيلم .   

  

موسيقى الفيلم للباحث الموسيقي محمد عمران الذي تقتصر تجربته في تأليف الموسيقى على هذاالفيلم و قد صنع جملة موسيقية وحيدة  وظفها المخرج في أماكن متفرقة من الفيلم عبرت عن حالات شعورية متنوعة للشخصيات دون أن نشعر بتكرارها .

المونتير عادل مونير صنع للفيلم إيقاعاً منضبطاً وفر دون ملل مساحة للممثلين يعبرون في لحظات الصمت عن صراعاتهم و ساهم في تعميق مناخ التوتر وقت المشاحنات و المشاجرات بين زغلول و نعيمة ثم في مواجهة زغلول مع توفيق العايق

 

بقي أن أتحدث عن مشهد نهاية الفيلم عندما جلس زغلول على سلالم البيت الداخلية بين أمه و زوجته تبكيان بعد أن أخبرهما بقراره في البحث من جديد عن سكة سفر بينما يدخل مسعود الغلبان و يجلس في مقابلتهما و يطلب من زغلول أن يزوجه أمه رتيبة ليحصل على طعام بإنتظام إضافة إلى متوى ( سكن ) فيندهشون من طلبه ثم ينفجرون في الضحك رغم ما آثاره قبلها بلحظات حديث زغلول عن ضرورة السفر في صدورهم من شجون ، هكذا ينهي بشير الديك فيلمه بلحظة إنسانية مليئة بالمشاعر لأنه يمتلك من الإبداع ما يجنبه اللجوء لفجاجة الميلودراما و يعينه على خلق حالة شعورية غاية في الروعة ينهي بها حكاية زغلول مع سكة السفر

 

يستحق فيلم سكة سفر أن يعرض بإستمرار على شاشات القنوات الفضائية المختلفة و أن نبحث عنه على مواقع التواصل الإجتماعي لنستمتع بمشاهدته .                                   

    

  

الكاتب

Content Protection by DMCA.com
ما هو انطباعك؟
أحببته
1
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2020, كافه الحقوق محفوظة

اعلى الصفحه
error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان