رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
698   مشاهدة  

موسيقار الأجيال (5) فكرة التبني الفني في جيل محمد عبدالوهاب

التبني الفني

Share

أهلا بكم أعزائي القراء في خامس حلقات موسيقار الأجيال، النابغة محمد أفندي عبدالوهاب، والتي سنخصصها للحديث حول فكرة التبني الفني في جيل محمد عبدالوهاب حيث علاقة أمير الشعراء أحمد شوقي بك بالشاب محمد أفندي عبدالوهاب.

اقرأ أيضًا 
ماذا فعل الموسيقار محمد عبد الوهاب عندما استدعاه طلعت باشا حرب لمكتبه؟

لكن قبل أن نتحدث عن طبيعة هذه العلاقة وعن الوقائع التي أحاطت بها سنتطرق للحديث قليلا حول الحالة التي كان عليها محمد عبدالوهاب قبل أن يلقى أمير الشعراء مجددا؛ لنحاول أن نتخيل الظروف التي جمعتهما، كذلك لنلقي الضوء على فكرة التبني في دائرة الفن والتي ساعدت بكل تأكيد على ظهور العديد من كبار الفنانين.

بيئة موسيقار الأجيال ومسألة التبني الفني

محمد عبدالوهاب
محمد عبدالوهاب

لمعرفة مسألة التبني الفني يجب التوصل إلى بيئة الشخص نفسه، فقد ولد محمد عبدالوهاب لأسرة بسيطة من الأسر المصرية في حي شعبي بل في حارة من حارات هذا الحي، وهو ما يعني أن البيئة التي خرج منها تختلف تماما عن البيئة التي خرج منها شوقي بك، فشوقي ولد لأب شركسي وأم يونانية وتربى بقصر الخديوي، لذلك فالأمر يستدعي الرجوع لتلك الحقبة والتفكير فيما كانت عليه الثقافة آنذاك، الثقافة التي جعلت من شخص بمكانة شوقي متبنيا لموهبة شابة كمحمد أفندي، وبالنظر لعمر شوقي بك وعمر محمد أفندي عبدالوهاب وقت أن التقيا للمرة الثانية التي آلت إلى تبني شوقي له حتى وفاته سنة 1932م، نجد أن شوقي كان قد تجاوز الخمسين من عمره، في حين أن محمد عبدالوهاب لم يكن قد تخطى حاجز الخامسة والعشرين، وهنا نقف ونتسائل كيف حدث ذلك؟ ما هي الوقائع التي جدت لتولد هذه العلاقة ؟.

محمد عبدالوهاب وسيد درويش
محمد عبدالوهاب وسيد درويش

كنا قد انتهينا في اللقاء السابق عند علاقة محمد عبدالوهاب بفنان الشعب الشيخ سيد درويش، وقلنا أن محمد عبدالوهاب ورغم فارق السن الذي يعتبر ضئيلا بينه وبين سيد درويش كان يعتبره أبا روحياً له، ولكن بعد وفاة سيد درويش التي لم تكن في الحسبان عام 1923م، كان للقدر ترتيبات أخرى تؤسس لعلاقة أكثر تأثيراً في حياة موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، علاقة دامت لمدة سبع سنوات تعلم فيها محمد عبدالوهاب الكثير والكثير ليس على المستوى الفني فحسب بل على المستوى الثقافي والاجتماعي أيضا.

بعد وفاة سيد درويش سافر عبدالوهاب كما قلنا إلى الشام ولكنها كانت رحلة غير موفقة من وجهة نظره، فلما عاد استكمل دراسته بمعهد الموسيقى، وظل يستقي من علوم الموسيقى إلى أن ذاع صيته بالمعهد وأصبح له مكانة خاصة عند الجميع.

لم يكن محمد عبدالوهاب قد نسي اللقاء الأول بينه وبين أحمد شوقي بك، والذي ترك في نفسه أثرا سيئا نظرا لتدخل شوقي في حياته وإجباره على مغادرة الكازينو بعد أن لجأ لحكمدار القاهرة الذي بدوره أصدر أوامره لإدارة الكازينو بعدم استخدام الطفل محمد عبدالوهاب، إلا أن ما حدث بعد ذلك كان كفيلا بقلب موازين ذكريات وأفكار محمد عبدالوهاب حول شوقي بك.

بعيدًا عن التبني الفني .. لماذا عام 1924 هو أسعد سنوات عبدالوهاب


ففي العام 1924م، وبالتحديد في شهر سبتمبر، أقام نادي الموسيقى الشرقي حفل بفندق سان ستيفانو بمدينة الإسكندرية، وبما أن محمد عبدالوهاب كان من طلبة النادي المرموقين، فقد سافر بدعوة من القائمين على الحفل ليشارك في إحياء الحفل بالغناء، وكان ذلك العام هو أسعد أعوام محمد عبدالوهاب، بل كان بداية لعهد جديد في حياته، غنى محمد عبدالوهاب من ألحان المرحوم محمد عثمان دور جددي يا نفس حظك، وموشح ملا الكاسات وسقاني ، ولم يكن يعلم أن من جمهور الحاضرين أحمد شوقي بك الذي سمعه وأعجب به أشد العجب، بل واستدعاه إلى مقصورته فاستقبله باستحسان وطلب منه أن يزوره في القاهرة.

موسيقار الأجيال
موسيقار الأجيال

يحكي محمد عبدالوهاب عن هذا اللقاء فيقول: توجهت للإسكندرية حسب دعوى النادي لإحياء الحفل، فغنيت جددي يا نفس حظك وملا الكاسات وسقاني، وبعد أن انتهيت من الغناء شكرت الله على أن جنبني الفشل في أول حفل حقيقي لي، ثم صعدت إلى الغرفة التي كانت قد خصصت لي في الفندق، وما أن مضت بضع دقائق حتى جاءني أحد الزملاء وأخبرني أن أحمد شوقي بك كان من ضمن الحضور وأعجب بغنائي بل وطلب أن أقابله.

تردد محمد عبدالوهاب في البداية، نظرا لفكرته حول أحمد شوقي بك والتي تكونت منذ اللقاء الأول، ولكن بعد ضغوط من الزملاء استجاب للدعوة، وتفاجىء محمد عبدالوهاب بعد أن كان هذا اللقاء جديرا بهدم تلك الفكرة القديمة التي تركت في نفس عبدالوهاب شعورا بتعجرف وكبر شوقي بك، يقول عبدالوهاب عن نظرته الجديدة لشوقي بك:
كنت أراه وكأنها المرة الأولى، لم أر فيه وقتئذ عدوا ولا مستبدا، بل رأيت أمامي شخص قصير القامة، وديعا وداعة الحمل يبتسم في رقة النسيم ولا تكاد عيناه العميقتان تستقران في اتجاه واحد من فرط الأدب، ذا شخصية رسمتها البساطة في صورة محببة لقلب كل من يراه، وبالإجمال كان فيه كل ما يدل على عمق الإحساس ودقته، لم يكن قلبه في جسدة كبقية الناس، بل كان قلبا يمشي على قدمين.

أمير الشعراء
أمير الشعراء

انتهى اللقاء تاركاً أثرا طيبا في نفس الفنان الشاب، ودعاه شوقي لمقابلته في القاهرة فوافق عبدالوهاب على الفور وأحس أن ثمة علاقة روحية ستجمع بينه وبين ذلك الرجل الحكيم.
ذهب محمد عبدالوهاب إلى شوقى بك فى القاهرة فرحب به ترحيبا كبيرا، وصحبه إلى مطعم الكورسال فى عماد الدين لتناول العشاء، وبالفعل بدأت صداقتهما، يقول محمد عبدالوهاب: أحسست بحاجتى إلى هذا العقل الموجه، أكثر من حاجتى إلى قلبه الواسع، وأحس هو بواجبه فى سبيل توجيهى الوجهة الصحيحة، فأكثر من الاهتمام بواجب الرعاية نحوى، ولهذا لم يكن يمر وقت دون أن يلقننى شيئا، أو دون أن أختلس من غزارة علمه الوافر، فتح شوقى أمامى أبواب المعرفة، وغرس فى نفسى الشعور بلذة الابتكار والخلق، كان صاحب الفضل الأول فيما نلته من نجاح، كما كان صاحب الفضل فى تكييف نظرتى إلى الفن الذى أمارسه، بل وإلى الحياة.

وجه آخر لحالة التبني الفني في مسيرة موسيقار الأجيال فقد كان شوقي يتدخل في تفاصيل حياة محمد عبدالوهاب فعلّمه طريقة الكلام والأكل والشرب وأحضر له مدرساً ليعلمه الفرنسية لغة الطبقة الراقية في هذا الوقت، وقدمه في الحفلات التي كان يدعى لها، ليس ذلك فحسب، بل كان يتدخل كذلك في أموره الفنية على نحو يحسن من سير عبدالوهاب في مشواره.

إقرأ أيضا
ألعاب القوى


اعتاد عبدالوهاب على الإدلاء بشهادته عن أبيه الروحي شوقي في هذا الجانب لتأثير حالة التبني الفني عليه، فمن ذلك ما جاء في مجلة الكواكب سنة 1954م تحت عنوان “حضرت ولادة أغاني شوقي”، وفيها: كان أحمد شوقي رحمه الله ذواقة للموسيقى لا يجاريه أحد وكان يستمع إلى كل لحن أضعه لأغنيه قبل أن أذيعه على الناس وكان يعدّل ويبدّل ألحاني، وكان يقول لي يا محمد غيّر في الكوبليه ده، عدّل في اللحن ده، وكان رحمة الله عليه يطرب لكل لحن يراه بديعاً، وكل موسيقى يجدها في نظره رائعة، ولقد ولدت أمامه ألحانا كثيرة في مستهل حياتي الفنية، ولعلّها من الألحان التي بدأت بها شهرتي تعلو ونجمي يرتفع وحظّي يسمو بين حظوظ زملائي الموسيقيين.

تبنى أحمد شوقي بك محمد عبدالوهاب، وقام برعايته وتوجيهه، وأعد له غرفة خاصة في داره “كرمة ابن هانيء” بمدينة الجيزة، وأطلق عليها “عش البلبل”، وغنى عبدالوهاب من تلحينه وكلمات شوقي بك طقطوقة دار البشاير في حفل زفاف علي ابن شوقي بك عام 1924م، وظل عبدالوهاب في معية شوقي لآخر يوم في حياته، فكان يصحبه معه أينما ذهب، فكلما سافر للشام أو باريس صحبه معه، كذلك هيأ له كل وسائل الاستماع إلى الموسيقى العالمية، فكان شوقي أبا روحيا لمحمد عبدالوهاب إلى أن وافته المنية في العام 1932م.


يقول محمد عبدالوهاب: كان لي بمثابة الأب، وهو الذي استطاع أن يدلني على معرفة أعماق ذاتي، كان أستاذي الأول وأعطاني جواز مرور إلى مجتمعات العمالقة من أصدقائه في المنتديات، أعطاني فرصة العمر لدخول مجتمعهم الذي كان يستحيل أن أدخله بفارق السن، لم يكن يفوت فرصة ليعلمني ولو قرأت ألف كتاب لما استفدت من هذه الكتب قدر ما استفدت من شوقي الذي كان أعظم كتاب، وكل كلمة كان يقولها كنت أحس أنها حكمة علمه إياها الزمن، وبعد وفاة شوقي قال عبدالوهاب: مات أستاذي وأورثني مثل باقي أولاده، أورثني حكمته ودروسه.
وأخيرا فقد غنى محمد عبدالوهاب الكثير من أشعار شوقي بك، نذكر منها النيل نجاشي، مقادير من جفنيك حولن حاليا، يا جارة الوادي، في الليل لما خلي، اللي يحب الجمال، وغيرها.

يذكر محمود عوض فى كتابه “محمد عبدالوهاب” أن شوقى سأل عبدالوهاب ذات مرة، هل تعرف بأنى قدمت لك شيئا فى حياتك؟ ويرد عبدالوهاب: أنت ولى نعمتى، فيرد شوقى: حاشا لله أن أكون كذلك، ولكننى أعتقد أننى حاولت أن أبث فيك الثقة، وأن أوجهك نحو المجتمع بقوة، وأن أدفعك نحو المجد الذى تستحقه، وليس لى من جزاء هذا الصنيع المتواضع إلا طلب واحد، أن تغنى شعرى بعد موتى، وأن تغترف منه ما تشاء فإن خلودى فى أن يردد الشعب العربى شعرى، وأنت كفيل بأن تجعل الشعب يفهمه ويحبه ويردده يا محمد.
وإلى هنا أعزائي القراء نصل إلى نهاية الحلقة الخامسة من قصة موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، على أن نكمل في حلقات قادمة إن شاء الله.
دمتم في سعادة وسرور.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com
Share

ما هو انطباعك؟
أحببته
3
أحزنني
0
أعجبني
2
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
1
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان