تقرأ الآن
يوميات سورية في مصر 4 : ترانزيت

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
1٬558   مشاهدة  

يوميات سورية في مصر 4 : ترانزيت

يوميات سورية في مصر 4 : ترانزيت .................................................

اليوم الرابع : محكومة بالأمل

 

كان لابدّ لي من السفر إلى السودان قبل أن تفرض السودان التأشيرة على السوريين!!

سافرت بهدف تجديد باسبوري في السفارة السورية في الخرطوم، طلباتها ومواعيدها أسهل من السفارة السورية في تركيا.

قررت السفر على متن الخطوط المصرية للطيران لسبب بسيط وغريب في آن معاً :

” عندي ترانزيت ثمان ساعات في مطار القاهرة الدولي”

فاض بي الشوق إلى مصر. وبما أني لا أستطيع العودة إليها بسهولة فسأكتفي بالترانزيت في مطارها.

” وحشتني ” اللهجة المصرية التي كنت أتقن في السابق لكن لساني – ولعدم ممارستها وأنا في تركيا- أصبح ثقيلاً ..

إنها فرصتي حتى  أتكلم مصري مرة أخرى مع موظفي المطار .

فرصة أن أذهب إلى السوق الحرة المصرية واشتري المنتجات المصرية .

والفرصة الأجمل تدخين سيجارة في غرفة المدخنين وتعرّفي بالمسافرين المصريين.

لكن الفرصة التي لم أتوقع حدوثها إطلاقا، ولم تخطر في بالي ولو لثانية!! أن تلك الغرفة الصغيرة الملأى بالدخان والقصص ووجوه الناس، كانت قادرة على ما عجزت عنه ظروف الحرب والشتات.

تلك الغرفة جمعتني بصديق سوري لم أقابله منذ غادرت سوريا ب 2012 فكل ما تبقى لي مجرد ذكريات لسهراتنا وقواسم فنية مشتركة تجمعنا .. فقد اعتدنا وجوده كأب روحي يدعم الفنانين الشباب.

ذلك الفنان والخطاط العظيم الذي لم أظن اني سأراه ثانية لعدم قدرتي على العودة إلى سوريا، ولإصراره على عدم مغادرة سوريا.. !!

فكيف لمصر ومن خلال مطارها وغرفة تدخين صغيرة أن تختصر الحدود والمسافات والحروب وتقدم لي بأقل من ثانية لحظة لقاء ضرب بسنوات البعد والفراق عرض الحائط.

نعم هذه هي مصر ” الأم اللي بتلمّ ” قاسية وحنونة، تفاجؤك  – في الوقت الذي لا تتوقع به أي جديد – بكل جديد!!

من أطلق عليها ” أم الدنيا ”  لم يظلمها. لكني أحب أن أناديها بـ ” أم الغلابة ” فكلنا ” غلابة ”

في حضرتها.

 

ثمان ساعات من الترانزيت كانت كافية لغسل الهموم ورسم الضحكة في قلبي من جديد.

لسان المصريين الذي يقطّر عسلاً، بدءاً من البائعين في السوق الحرة إلى النادل في المقهى، حتى الست المصرية السمراء التي جلبت لي القهوة إلى غرفة التدخين لم تدرك أنها تجلب لي جرعة حب في فنجان كرتوني صغير.

ضحكتها وخفة دمها بالإضافة إلى أسلوبها بالترحيب بالمسافرين، تجعلك تتمنى ألا تنتهي ساعات الانتظار في الترانزيت..

بعد أن انتهيت من قهوتي وسيجارتي بدأت جولتي في المطار أراقب سماء مصر من وراء الشبابيك المقفلة وأتمنى أن استنشق هواءها قريباً.

استوقفني ضابط الجوازات بكل لطف :

  • بعتذر من حضرتك بس إخوانا العرب اللي محتاجين تأشيرة لمصر لازم ياخدوا موافقة لاستلام غرفهم في أوتيل المطار.

وطلب باسبوري، وحين قلّب في صفحاته استغرب الأختام الكثيرة لدخول مصر، وسأل :

  • ” أنتي جيتي مصر كتير؟”
  • أنا قديمة في مصر
  • مسافرة السودان ليه؟
  • عشان أجدد باسبوري
  • ما تجدديه في مصر مش أسهل؟
  • ياريت بس أصعب
  • ليه؟
  • عشان الفيزا

صمت وشعرت بأسفه قائلاُ :

  • إحنا آسفين يا فندم .. نورتي مصر واتفضلي استلمي غرفتك بالاوتيل.

لم يكشف على الباسبورولم يكن مضطراً لأخذ الموافقة فأختام دخول مصر على الباسبور كانت كفيلة بموافقته وترحيبه.

شكرته من كل قلبي وأجبت :

إقرأ أيضا
أبناء

  • شكراً يافندم بجد، مش عايزة الغرفة.. عايزة أفضل هنا في زحمة المطار وحشتني وشوش المصريين ووحشني الكلام معاهم.

ابتسم وقال :

  • من واجبنا نقدم لك الغرفة وحسن الضيافة وأنت براحتك ومش هديكي غرفة مشتركة مع مسافرة من المسافرات، غرفتك لوحدك..!!

لم اتفاجأ من كرمه ولطفه اللامتناهيين، فمن يعرف مصر والمصريين يدرك تماماً “جدعنتهم” و”ملقاهم الجميل” إن صح التعبير.

لطف افتقده في بلاد الترك..!! حميمية وإحساس من يقف أمامك منذ دقائق فحسب، وإذ بك تشعر أنه قد أصبح فرداً من عائلتك..!!

دفء خفي ينتاب عروقي فيضخ الدم في وجهي ليجعله يضيء من جديد..

أما صوتي فأجده يرقص فرحاً، وعلى حد تعبير أختي حين كلمتني وأنا في ترانزيت مطار القاهرة : ” صوتك عم يرقص فرح ”

وأنا التي اعتدت أن أرقص حزناً منذ الحرب..!! صوتي الآن يرقص فرحاً وقدماي لا تلمسان الأرض روحي محلقة وكياني طرب للهجة أعشقها وغزل لطيف أسمعه.

غزل المصريين يشعرني بالتميّز.. لأنه يختلف عن أي غزل اعتادت الأنثى سماعه.

لديهم القدرة – ومن خلال كلمات بسيطة – على إعادتي إلى ” مريول المدرسة والضفاير”

فالكلمة التي تخرج من القلب لابد أن تدخل القلب دون استئذان.

ترانزيت.. ليس مجرد محطة سفر، وإنما ترانزيت هو حكم بالأمل .

وأنا ما أزال محكومة بالأمل.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
11
أحزنني
1
أعجبني
6
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
1
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان