رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
385   مشاهدة  

تجربتي مع الكورونا وخوفي من فقد الشم والتذوق للأبد

  • إسراء سيف كاتبة مصرية تخرجت في كلية الآداب، عملت كمحررة لتغطية مهرجانات مسرحية، وكصحفية بموقع المولد. ساهمت بموضوعات بمواقع صحفية مختلفة، وتساهم في كتابة الأفلام القصيرة. حصلت على الشهادة الوظيفية لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها من الجامعة الأمريكية وألفت كتابًا لتعليم اللغة العربية للأطفال بالدول الأوروبية.

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال


الشم والتذوق هما متعتي بهذه الحياة التي كنت أقدرها قبل فقدانها بعد إصابتي باشتباه الكرونا. تخيل إيها القارىء الفتاة التي كتبت مقالًا عن عظمة البطاطس المحمرة ووصفتها بالصاحب الجدع تفقد التذوق لأيام.

قصتي مع الكورونا وفقدان الشم والتذوق

أنا من هؤلاء الذين عزلوا أنفسهم بالمنزل بعد نصيحة طبيبة صدر جدعة لم تحملني تكاليف التحاليل والأشعات، تعلم جيدًا أنني مش حمل مصاريف.

اكتفت بوصفي للأعرض؛ حمى تذهب وتجيء بلا موعد، احتقان بالحنجرة، دوار، تكسير بالعظام، وأخيرًا العلامة الأوضح على الإطلاق؛ فقدان الشم والتذوق تمامًا مع العلم بأن مناخيري كانت مفتوحة على البحري.

كانت المفاجأة  عندما أكلت ثمرة جوافة فوجدتها بلا طعم أو رائحة. أجرب عسل النحل فأجد وكأن بفمي مجرد هواء ثقيل، أجرب البسطرمة ذات الرائحة الطاغية المثيرة، فأجدها هي الأخرى بلا طعم أو رائحة وكأن كل طعام الدنيا تمرد علي. وأصبحت لا أشم روائح الصابون والشامبوهات.

البطاطس المحمرة صاحب جدع يسد أي وقت

أعلنت العزل الكامل قبل رأي الطبيبة الطيبة، وعشت أيامًا بلا طعم أو رائحة، ولو كنت من هؤلاء الذين يتابعون يوميات قلقي  فستعرف أن هذا الأمر محض كارثة بالنسبة لي.

مئة فكرة قلقة شقية كانت تجري بعقلي؛ ماذا لو كان التشخيص صحيحًا و أصيب أحد أفراد أسرتي بعدوى؟..ماذا لو لم تذهب عني الحمى التي تجعلني أذهب لبلاد بعيدة من الأحلام والكوابيس والتعرق؟

ماذا لو قصرت بحق عملي الذي أحبه_وكنت قد جمعت خططًا حماسية للعمل_وماذا لو فقدت حاسة الشم والتذوق إلى الأبد؟..ستصبح كارثة بكل تأكيد، فهذه شهوتي الوحيدة التي أستمتع بها بحب .

قصتي مع  متعة الطعام

تسألني أمي وأنا بالأربع سنوات من عمري بعد كل عيد ميلاد لأطفال العائلة:
اتبسطي يا إسراء؟

فأرد بحروف طفولية مكسرة : شربت بيبس وكلت جاتوه.

حفظت أمي الإجابة المكررة، ثم حفظت أيضًا أنني أحب البطاطس بجميع ألوانها، وكل المقليات والمشويات والمقرمشات.

لم أكتشف حبي للطعام بشكل حقيقي بهذه المرحلة التي لا يميز فيها الإنسان تفاصيل شخصيته، بل اكتشفت الأمر منذ عام واحد. كنت في طريقي إلى القاهرة وقبل التحضير إلى السفر أصابتني فكرة أخرى من أفكار القلق؛ ماذا لو هبط ضغطي أثناء الطريق من إهمالي في تناول الطعام؟..سأصبح عبئًا على أصدقائي.

حضرت سندوتشات من الكبدة والجبن والسويس، وأخذت مثلث من مثلثات الجبنة احتياطي، وعلبة من العصير، وعلبة من اللبن، ومياه، وثمرة موز، و مناديل مبللة ومكياج لإصلاح ما يفسده الطريق والطعام.

مر نصف اليوم بسلام  وتناولت سندوتشات الإفطار، ولكن حدثت مشادة بيني وبين صديق بمثابة أخ، وسرعان ما نسيت أمر المشادة عندما رأيت بثلاجة حلواني بالقاهرة كريم كراميل.

ذهبت لقلب الثلاجة كالمسحورة؛ الثلاجة التي لا يفتحها سوى العمال بالطلب. جذبني صديقي وقال لي أن هذا الممر وهذه الثلاجة لاستخدام العمال فقط، فقلت له أنني لم أرَ أمامي سوى الكريم كراميل الذي أصررت على التهامه بمحطة السوبر جيت، وبعد التهامي لحلوى يسمونها القاهريون “القنبلة” وكنت لم أتناول طعام الغداء فعوضته بالحلوى.

زفة عصافيري على شباكي

كان هذا اليوم بمثابة تعارف حقيقي لصديق جديد وأخ نادر، حول الموقف كله إلى نكتة حكاها للإسكندرية كلها.

إقرأ أيضا

وكانت تدهشني طريقته في حكي الحدوتة بنفس الشغف بكل مرة؛ هذا الحكي الذي يذكرك بحواديت جدك الطيب الذي يعيد حكي القصة عشرات المرات بنفس الشغف. .

كشف لي صديقي عن عشقي للطعام الذي لم أكن على وعي به إطلاقا قبل أن يحول موقف القاهرة إلى حدوتة تكشف حبي للأكل.

أصبحت منذ هذا اليوم على علاقة مختلفة بالطعام؛ أجده حبيبي الذي يحنو علي عندما أحاول أن أكون بخير، وأجد الشم والتذوق متعتي الوحيدة التي لا تكلفني الكثير وتعوضني عن الكثير.

قصة جاربيس أشهر صانع جيلاتي باسكندرية زمان

أجد في الشم والتذوق ضالتي عندما أحاول التعرف على أكلات جديدة تخرجني من شعور اليأس لشعور أن الدنيا بها أشياء جديدة وممتعة، وكانت مشكلتي أنني لا أستطيع الاستمتاع بالطعام وحدي، فتغلبت عليها وأصبحت أحب الجلوس وحدي في المطاعم.

والشم في حد ذاته يقلل من توتري عندما أشم روائح الزهور والفاكهة التي أشتريها خصيصًا لتعديل مزاجي. فكنت في حالة من الخوف عندما فقدت حاسة الشم والتذوق، وخاصة عندما سمعت أن هناك مرض نادر يحرم الإنسان منهما  للأبد، فتمنيت لو كان ما أمر به كرونا وفقط، والشر اللي نعرفه أحسن من الشر المستمر اللي ما نعرفهوش.

عادت لي حاسة الشم والتذوق بقوة بعد خمس أيام تقريبًا من بداية اختفائها. عادت وعادت الحياة ببهجتها وعادت معها رائحة الجوافة والبسطرمة والثوم والبطاطس صحبتي الجدعة، وقررت أن أحمد الله بطريقة خاصة وهي أن أطعم الطعام لأسرة تحتاج لوجبة جاهزة لذيذة أحبها.

الكاتب

  • إسراء سيف

    إسراء سيف كاتبة مصرية تخرجت في كلية الآداب، عملت كمحررة لتغطية مهرجانات مسرحية، وكصحفية بموقع المولد. ساهمت بموضوعات بمواقع صحفية مختلفة، وتساهم في كتابة الأفلام القصيرة. حصلت على الشهادة الوظيفية لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها من الجامعة الأمريكية وألفت كتابًا لتعليم اللغة العربية للأطفال بالدول الأوروبية.

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
8
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان