رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
137   مشاهدة  

جميل راتب بين الشرير الأصعب وفخ المثالية.. البهظ في مواجهة مفيد أبو الغار

جميل راتب

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تختصر ممثل – خاصة وإن كان ذو موهبة وحضور وكاريزما- في دورين أو حتى عشرة، ولا أحاول أبدًا أن أفعل هذا ولكن في رأيي أن كل ما يميز جميل راتب يمكن إيجاده في هذين الدورين، كمثال على عظمة موهبته وحضوره الطاغي، جميل راتب الممثل الذي جاء إلى السينما المصرية نجمًا من السينما الفرنسية والإيطالية، ليصنع مملكة خاصة به وطابع لن يصنعه غيره أبدًا.

الشرير الأصعب

على الرغم من وسامته حصرته السينما المصرية في دور الشرير، أي نعم هو تمرد عليه من داخله فهو بداخلة طاقة ممثل كوميدي كبيرة، أخرجها في بعض أدوار الشر أو الوغد كما أحب أن اسميها، ولكنه ظل داخل هذا القالب ولم يخرج منه إلا نادرًا وعلى الرغم من هذا فأشرار جميل راتب مختلفون ولكن أكثرهم شرًا كان البهظ.

فسليم البهظ في الكيف لعلي عبدالخالق ومحمود أبو زيد لم يكن مجرد شرير تقليدي تتعارض مصالحه مع مصالح البطل فيقرر أن يجبره، ولكنه شرير معقد فهو كما قال عنه صلاح أبو العزم سايكوباتي، وأيضا برجماتي، فهو شرير يتلذذ بتعذيب الأخرين ليس هذا فقط بل والسيطرة عليهم وأيضا هو ساعي لمصلحته بالدرجة الأولى فلا يترك لذته تجعله ينحرف عن مصلحته التي هي هدفه الأول، وفي رأيي أن سليم البهظ هو أحد أكثر الشخصيات المضادة للبطل تعقيدا في تاريخ السينما المصرية.

وهنا نجد أن جميل راتب أمام تحدي جبار، فيجب على الشخصية السيكوباتية أن تكون شخصية آسره، تحبها ولا تستطيع ألا تعجب بها رغم كل ما تفعله من شر وتعذيب للأخرين، وهي أهم سمات الشخصية السيكوباتية وفق ما أقره علماء علم النفس، لذلك كان على جميل أن يغلف شر البهظ بخفة دم وقدره على الجدال والإقناع رغم عدم حاجته إليهما ولكن فقط ليظهر للاخرين أنه اضطر للتعذيب لأنهم رفضوا التعاون معه أو الاقتناع بكلامه أو كما يقال في المثل الشعبي “عداه العيب”.

في رأيي لو أي ممثل أخر لم يكن ليسيطر على شخصية جامحة مثل البهظ، ولو قدمها غير جميل راتب لآسره احد جوانب الشخصية واعتمد عليها، فالشخصية التي تتمتع بالسطوة والقوة وخفة الدم والنفوذ والتلذذ بتعذيب الأخرين والرغبة في السيطرة على الجميع، كل تلك الخصائص قد يختار أي ممثل واحدة منها فقط ليدخل منها إلى الشخصية فيقدم شخصية مسطحة، ولكنه جميل راتب الشخص الذي دخل إلى الشخصية من جملة قالها البطل لا من جملة تقولها الشخصية.

الشخصية السيكوباتية في الواقع هي شخصية تخفي شرها ولا تستخدمه إلا عند اللزوم وفي أضيق الحدود ورغم ذلك فهي تستمتع به، والأهم عنده هو السيطرة على الأخرين قبل أي شيء أخر، ولكن بجانب سيكوباتية البهظ فهو أيضا برجماتي قح فمهما كانت الوسيلة فهي مباحة طالما ستقوده للغاية وهنا عليه أن يكبح جماح تلذذه بتعذيب الأخرين ليصل إلى غايته، وهو أمر شديد الصعوبة حيث أنه يقع في خانة التناقض، ولكن جميل راتب القابض على خيوط وحبائل موهبته بقبضة متمرسة استطاع أن يسيطر على شخصية البهظ، ليجعله أحد علامات الشر في السينما المصرية.

فخ المثالية

الدور الأخر هو فخ وقع فيه من قبله ممثل مخضرم وكبير وموهبة جبارة وهو محمود مرسي، فخ ينصبه أسامة أنور عكاشة ربنا لحبه وتأثره بتلك الشخصية الأدبية الشهيرة، أو ربما أن أسامة نفسه بعشق محاربة طواحين الهواء، تلك الأدوار المنحوته من دون كي خوته التي صاغها أسامة أنور عكاشة كانت فخ لكل من قدمها إلا جميل راتب، الذي نجى بشخصية مفيد أبو الغار في الراية البيضاء من هذا الفخ.

الشخصية المثالية التي يعشقها أسامة أنور عكاشة وكررها كثيرًا في مسلسلاته اصطدمت بممثل يعرف جيدًا كيف يراوغ هذا الفخ، كيف يجعلها بشرية، كيف يجعل تلك المثالية إنسانية وليست مثالية نظرية كما فعل محمود مرسي في رحلة أبو العلا البشري، الغريب أن اختيار جميل راتب كان صاحبه هو محمود مرسي نفسه.

إقرأ أيضا
شغل عالي

الدور الذي ذهب إليه في البداية، ولكنه اعتذر عنه ونصح محمد فاضل وأسامة أنور عكاشة بعرض الدور على جميل راتب، لن تخطئ عينيك في رؤية الأرستقراطية الواضحة في جميل راتب، ولكن الأهم هو أعترافه بالخطأ الإنساني وعدم محاسبته، وتلك القشة التي جعلت مثاليته إنسانية، هو انه لا يسلط سيف الأحكام على المحيطين به.

النقطة الأخرى التي حرص عليها جميل راتب في شخصية مفيد أبو الغار ليجعله أكثر إنسانيه، وهي نقطة تمثيلية بحته أي أنها خاضعة للممثل في المقام الأول دون تدخل من المؤلف، وهي ردود الفعل، لعل المثال الأبرز هو رد فعل مفيد أبو الغار على اعتراف فضة المعداوي له بالحب، رد الفعل الإنساني للغاية المتفاجئ البسيط التلقائي، هو المنهج الذي اعتمده جميل راتب في هذا الدور ليجعله أكثر إنسانيه، هو الباب السري لتنفعل الشخصية وتثور وتغضب خارج القالب المثالي الثلجي.

ما فعله جميل راتب بمفيد أبو الغار يشير إلى ذكاء تمثيلي مهم وهو أحد أهم مزايا جميل راتب، ذلك الذكاء الذي يجعله يتحايل على مثالية الشخصية المبالغ فيها ليجعلها أكثر بشرية وبذلك تكون أكثر واقعية وتكون أكثر قربًا للمشاهد، فمن ذكائه وقدرته على قراءة الشخصيات والتنوع بينا حتى وإن كانت في نفس القالب، تخرج موهبة جبارة بحجم جميل راتب، موهبة خلقت لتظل خالدة دائما.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان