تقرأ الآن
الإيقاع الشعري بين الشكل الكلاسيكي و الحداثي .. من هنا ولد النص

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
941   مشاهدة  

الإيقاع الشعري بين الشكل الكلاسيكي و الحداثي .. من هنا ولد النص

الإيقاع الشعري
  • مي محمد المرسي صحافية مهتمة بالتحقيقات الإنسانية، عملت بالعديد من المؤسسات الصحافية، من بينهم المصري اليوم، وإعلام دوت أورج ، وموقع المواطن ، وجريدة بلدنا اليوم ، وغيرهم .

    كاتب برونزي له اكثر من 100+ مقال


لا جدال في أن الإيقاع الشعري ، أو موسيقى الشعر ، مقوّم هامّ من مقوّمات القصيدة: ” وللشعر نواح عدّة للجمال، أسرعها إلى نفوسنا ما فيه من جرس الألفاظ، وانسجام في توالي المقاطع وتردّد بعضها بعد قدر معيّن منها، وكل هذا هو ما نسمّيه بموسيقى الشعر، ويستمتع الصغار والكبار بما في الشعر من موسيقى، ويدرك الطفل ما فيه من جمال الجرس قبل أن يدرك ما فيه من جمال الأخيلة والصور”.

الإيقاع أوسع من الوزن الشعري 

ونحن نقول الإيقاع، أو الموسيقى ، لا الوزن والقافية، لأن الإيقاع ، في رأينا ، أوسع من الوزن رقعة، وأقلّ منه دقّة وإحكاما،  فالإيقاع لا يقتصر على الشعر، بل يتخلّل النثر أيضا، ومن يقرأ نثر جبران خليل جبران يجده غنيّا جدّا بالإيقاع الناجم عن الجمل المتساوقة أو المتقاربة طولا، وهذه قد تكون متوافقة أو متقاربة في المعنى حينا، وهو ما نسميه المماثلة، ومتضادّة أو مختلفة فيه، وهو ما يسمى في البلاغة الكلاسيكية المقابلة.

وقد ينجم الإيقاع عن التكرار أيضا، أو عن الألفاظ المتوافقة جرسا، إلى غير ذلك مما يبتكره الشاعر الأصيل، ومثال ذلك قول جبران خليل جبران: “مات الصيف الجميل ليحيا الخريف الكئيب”. هذه الجملة غنية جدا بالإيقاع والأسلوب الشعري، إلا أنّها لا وزن فيها بمعايير علم العروض، لأن الوزن هناك يقوم على تشكيلة من الوحدات الإيقاعية سمّاها علماء العروض تفاعيل، وكل تفعيلة تتألّف من عدد محّدد من المقاطع الطويلة والقصيرة، وفي نظام محدّد أيضا، هذه التفاعيل قد تعتريها بعض التغييرات الهامشية التي لا تغير عادة من جوهر التفعيلة ودورها في الوزن/ البحر الشعري، لكن لا مجال هنا للخوض في دقائق هذا الوزن الشعري، كما أقرّه الخليل بن أحمد. باختصار: في الأوزان الشعرية الخليلية غالبا ما يؤدي تبديل الحركة بسكون أو العكس إلى الإخلال بالوزن، ومن هنا نشأ ما أباحه الشعراء لأنفسهم ، حفاظا على الوزن، من خروج طفيف أحيانا على أحكام اللغة، وسمّاه النحاة ضرورة الشعر، أو الجوازات الشعرية.

لا بد في الشعر إذن من موسيقى معينة تعكس نفسية الشاعر إبّان عملية الإبداع، أو روح القصيدة وجوهرها، وتسوّغ من ناحية أخرى استيعابها من المتلقي، وذلك طبعا بالإضافة إلى معاني الجمل والتراكيب والألفاظ في سياق جديد متفرّد يخلقه الشاعر المبدع في كل قصيدة راقية، هذه الموسيقى “المرافقة” قد تكون، كما أسلفنا، وزنا دقيقا بالغ الإحكام، كما في القصيدة الكلاسيكية، وقد تكون إيقاعا أقلّ دقّة وانضباطا كما في ” قصيدة النثر”، بل إنّ بعض الشعر يكاد يخلو أحيانا من الإيقاع، فيخسر حينئذ أحد مقوّمات القصيدة الجيدة.

الإيقاع الشعري تطور عن النثر 

من الفرضيات المعروفة في تاريخ الأدب العربي أنّ الإيقاع الشعري تطوّر عن النثر، تدريجيا وعلى مراحل، حتى انتهى به الأمر إلى البحور الفنية الخليلية:” خطوْا من المُرسَل إلى السجْع، ومن السجع إلى الرجَز، ثمّ تدرّجوا من الرجز إلى القصيدة”، ويعتبر بعض مؤرخي الأدب الهزج أخا للرجز بهذا المفهوم.

في البداية انتقل الأسلوب، وفقا لهذه الفرضية، من نثر وظيفي مرسل إلى نثر أدبي فنّي، يُعنى فيه بالصياغة والإيقاع، بحكم تأديته مشافهة، لا أقلّ من العناية بالمضمون. في هذا النثر الفني ، ولم يصلنا من العصر الجاهلي إلا أقلّه ، لأسباب لا مجال لطرحها في هذا السياق، يرتفع إيقاع النصّ واضحا بتوالي جمله، القصيرة المحلاة بالسجع غالبا، بحيث يصل إلى “الوزن” أحيانا، هذا ما نلحظه جليّا في سجع الكهّان، وفي الخطب والحِكم والوصايا القليلة التي وصلتنا من العصر الجاهلي، وفي الأسلوب القرآني أيضا، في السور القصار خاصّة، الذي نزل كما هو معروف، موافقا للبيئة “الأدبية” المهيمنة في تلك الفترة.
من النثر الإيقاعي المسجّع انتقلوا، كما أفادنا الزيات وغيره من مؤرّخي الأدب، إلى الهزج والرجز.

والرجز يحتاج منا إلى وقفة طويلة نسبيا، لما له من مكانة هامّة في تطوّر الشعر الحديث لاحقا. يتشكل الرجز من تكرار مستفعلن ( ـ ـ ﮟ ـ ) ستّ مرات، ثلاث في كل شطر،  وهذا البحر، بخلاف البحور الفنية المعروفة، قد ترد القصيدة فيه من أبيات، يتألف كل منها من شطرين وينتهي بقافية موحدة كما في القصائد المألوفة، وهذا قليل في الشعر الكلاسيكي، أو يرد مشطورا، يتألف السطر فيه من شطر واحد فيه ثلاث تفاعيل منتهية بقافية موحّدة، وهذا هو الشكل الغالب على الرجز القديم . وقد يرد أخيرا مزدوجا، لكل بيت فيه قافية خاصة به في الصدر والعجز، كما نجد في الشعر التعليمي عادة، قديمة وحديثه على حدّ سواء.

تفعيلة الرجز هذه، مستفعلن، تصيبها أيضا تغييرات كثيرة، في الحشو، وأكثر منها في الضرب، بحيث يغدو الإيقاع في الرجز خافتا “مشعّثا” ، لا يختلف اختلافا كبيرا عنه في النثر. لهذا السبب، في أغلب الظن، لم يعتبر القدماء هذا البحر من بحور القصيدة الكلاسيكية، فسمّوا القصيدة منه أرجوزة، وشاعرها راجزا أو رجّازا، لا شاعرا. بل إن الرجز كثيرا ما يدعى أيضا حمار الشعراء، لطواعيته وكثرة ما يصيبه من التغيير، واستهانة بإيقاعه ومكانته .

من ميزات الرجز أيضا، في العصر الكلاسيكي، ارتجال شطر أو أكثر منه بما يلائم الموقف، سواء قبل القتال أو في الحياة اليومية:[3] “وقال الأخفش: الرجز عند العرب كل ما كان على ثلاثة أجزاء، وهو الذي يترنمون به في عملهم وسوقهم ويحدون به”. يتجلّى ذلك أيضا في دلالة الفعل ارتجز، بمعنى ارتجل، كما في مشطور الرجز الذي ينسب إلى النبي محمد : أنا النبيّ لا كذبْ / أنا ابن عبد المطّلبْ.

الشاذ في الرجز 
هذه الميزات “الشاذّة” في الرجز ترجّح كلّها أن الرجز كان فعلا بمثابة بحر “بدائي”، سبق بحور الشعر الفنية زمنيا، وشاع استعماله في الحياة اليومية، ما أبقى فيه بعض سمات “الدونية” أو “النثرية” في نظر الشعراء والنقاد الكلاسيكيين:[4] “وقد اختلف فيه فزعم قوم أنّه ليس بشعر وأن مجازه مجاز السجع”. ولعلّ العجّاج وابنه رؤبة، في هذا السياق، هما الاستثناء الذي يؤكّد القاعدة!

انتقل الإيقاع الشعري إلى البحور الفنية المعروفة، إذا اعتبرنا أن المعلقات السبع تشكّل، كما يرى كثيرون من مؤرخي الأدب، القصيدة القدوة في الفترة الكلاسيكية، فلا شكّ أن البحر الطويل هو البحر المهيمن في تلك الفترة، إذ إن أربعا من هذه القصائد السبع كتبت جميعها في الطويل، إلى جانب الطويل، نجد في “الطبقة” الأولى أيضا: الكامل والوافر والبسيط والخفيف أيضا، إلا أن الطويل بفخامته “الأرستقراطية” يظلّ خير ممثل، عددا ونوعا، للإيقاع في القصيدة الكلاسيكية. أما باقي البحور جميعها، غير الأربعة المذكورة، فيمكن اعتبارها هامشية، لم تكتب فيها القصائد الجادّة عادة، بحيث يمكن إهمالها في النظرة العامة إلى الإيقاع في القصيدة الكلاسيكية. نعني بذلك الرمل والسريع والمتقارب والمديد وما شابه.

بحور سيطرت على القصيدة العربية في العصور الوسطى 

هذه البحور الخمسة؛ الطويل، الكامل، الوافر، البسيط، الخفيف، ظلّت في الواقع مهيمنة على القصيدة العربية طوال العصور الوسطى، بما فيها عصر الانحطاط أيضا. فهذا العصر الطويل كان فترة تراجع وجمود في كل ظروف الحياة، السياسية والاقتصادية والثقافية، حتى أن بعض المؤرخين يسميها الفترة المظلمة، لذا لم تعرف القصيدة العربية في هذه الفترة أيّ منحى تجديدي يذكر، فاقتصرت على تكرار موضوعات وصور وأوزان السالفين. من ناحية أخرى ازدهرت في القرون الأخيرة من هذه الفترة صنوف عديدة متنوّعة من التلهّي اللفظي، أو ما يسمّى البديع في البلاغة، وشاع فيها أيضا التشطير والتخميس الإخوانيات والأحاجي، بحيث يمكن اعتبار هذا الشعر “غير الرسمي” أبرز المعالم الفنية في تلك الفترة.

الموشح الأندلسي تطويرا للشعر المسمط

في سياق النظر في الإيقاع في العصور الوسطى، يجدر بنا ذكر الموشّح الذي ابتكره شعراء الأندلس، اختلف مؤرخو الأدب في أصل نشأة الموشّح : هل هو من ابتكار المشارقة، باعتباره تطويرا للشعر المسمّط، أم هو من استحداث شعراء الأندلس بتأثير الحياة الجديدة والفولكلور الغنائي المحلّي. إنها مسألة تاريخية أدبية لا تهمّنا في هذا السياق بالذات، وإن كنّا نميل إلى الأخذ بالرأي القائل إنّ هذا المبنى الإيقاعي الجديد وليد البيئة الجديدة في الأندلس.

في العصر الحديث بدأ التغيير الحقيقي في إيقاع القصيدة، بطيئا أوّل الأمر وسريعا بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أنه تغيير مطّرد، وإن اختلفت وتيرته، وباتّجاه واحد: الابتعاد التدريجي عن الإيقاع الكلاسيكي والخطابية التقليدية. بل يمكننا القول، إذا عمدنا إلى التعميم، إن العلاقة بين العناصر الإيقاعية في القصيدة والمقومات الفنية الأخرى فيها، هي علاقة ضدية في أغلب الأحوال: إذا طغت الأولى انحسرت الثانية، والعكس بالعكس!

استهلاك الشعر 
هذا الانحسار التدريجي المطرد في الإيقاع يمكن تفسيره بعاملين أساسيين: الأول أن استهلاك الشعر في العصر الحاضر انتقل تدريجيا من استهلاك سماعي إلى استهلاك قرائي، فلم يعُد الشاعر “يقف على نشز من الأرض”، أو في حضرة الممدوح، منشدا قصيدته أمام جمهوره، فتتلقّاها أسماعهم قبل عقولهم. الصحف والكتب أصبحت تدريجيا “منابر” الشعر، يتلقّاه فيها مستهلكوه بعيونهم قبل آذانهم، ويحاولون استيعابه في الفكر والخيال، مجرّدا إلى حدّ ما من إيقاعه الخارجي المتمثّل في الوزن والقافية.

العامل الثاني أن الإنسان العربي المعاصر، ونحن هنا لا نتحدّث عن انقلاب فجائي طبعا، غدا أرقى حساسية وأرفع ذوقا منه في القرون الغابرة، بحكم الثقافات والمعارف الحديثة في جميع مجالات الحياة، هذا الرقيّ الفكري المعرفي من الطبيعي أن ينتقل بالذائقة الفنية أيضا من الصخب والإيقاع العالي إلى الخفوت والهمس والهدوء في إيقاع الشعر، أشبه بانتقال ذائقة المرء، أو المجتمع، تبعا للرقيّ الحضاري الفكري الثقافي، من استساغة الموسيقى الشعبية الصاخبة إلى الاستمتاع بالموسيقى الكلاسيكية الهادئة بعيدا عن الصخب والضجيج. ولعلّ هناك سببا ثالثا هو اطّلاع الشعراء المعاصرين، والمثقّفين أيضا، على الشعر الأوروبي مترجما أو في لغاته الأصلية. ذلك أن الإيقاع في هذا الشعر، حتى في لغاته الأصلية، بطيء خافت، لا يداني ما في الشعر العربي من خطابية وجهارة. على كلّ حال، أيا كانت الأسباب فالنتيجة واحدة: تحوّل الذائقة الفنية لدى الإنسان العربي المعاصر، والشاعر المعاصر بوجه خاص، من الإيقاع الخطابي الصاخب إلى الهامس الخافت، تدريجيا، ولكن في اطّراد مستمرّ.

بداية التجديد

إنّ بداية التجديد في الشعر كانت في الواقع ارتدادا إلى “عصره الذهبي” في الدولة العباسية، متخطّيا قرونا طويلة من الجمود واللهو اللفظي والابتذال في ” عصر الانحطاط ” . على هذا النحو نشأت المدرسة الأولى في الشعر الحديث، المدرسة الكلاسيكية الجديدة، بريادة البارودي وزعامة شوقي. فالشعر الكلاسيكي، في العصر العبّاسي بوجه خاصّ، كان القدوة في نظر هؤلاء الكلاسيكيين الجدد؛ كان همّهم في الأساس العودة بالقصيدة العربية إلى غابر مجدها، ومعارضة فحول ذلك العصر، أكثر من محاولة التجديد في المقوّمات الفنية في القصيدة، بل ظنّ شعراء الكلاسيكية الجديدة أنّهم يقدرون على التجديد في الموضوعات؛ كتابة الشعر السياسي أو الوطني أو الاجتماعي، والإبقاء في الوقت ذاته على المبنى الإيقاعي التقليدي بكلّ مقوّماته. على هذا النحو كان نصيبهم من التجديد في اللغة الشعرية، في الواقع، ضئيلا تماما. وفي إيقاع القصيدة بالذات لم يطرأ تغيير يذكر، سوى انتقال “الزعامة” في قصائدهم من الطويل إلى الكامل الذي “أصبح معبود الشعراء، وهو أيضا البحر الذي يستمتع به جمهور المستمعين من محبّي الشعر[ … ] أما الطويل فيظهر أنه لم يعد يناسب العصر الحديث” .

باختصار: كما كان تجديد الكلاسيكيين الجدد هامشيا في الفنّ الشعري عامة، اقتصر تجديدهم الإيقاعي، في الأساس، على الانتقال من الطويل إلى الكامل، قد يكون الكامل أقلّ خطابية وأكثر تنويعا وتلوينا من الطويل، إلا أنه يظلّ مع ذلك إيقاعا كلاسيكيا متميّزا، ما في ذلك شكّ، مرة أخرى أجدني مضطرا إلى التذكير اننا هنا نتناول التيار المركزي المهيمن على القصيدة في هذه الفترة، متغاضين عن النتاج الهامشي، من شعر تعليمي وإخوانيات وأناشيد وما شابه، الذي يتخلل أحيانا دواوين بعض الشعراء.
بداية التجديد الحقيقي في العصر الحديث كانت، بلا شك، في الشعر المهجري، والشمالي منه بوجه خاص، في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، بزعامة جبران خليل جبران وتنظير رفيقه ميخائيل نعيمة في الغربال ( 1923). التجديد هنا كان شاملا، لا في السطح كما رأينا في الشعر الأندلسي، كان تجديدا بعيد المدى في رؤية العالم والحياة والناس، وتجديدا كبيرا في الشعر، تبعا لذلك، أصاب كلّ مقومات القصيدة، بما فيها طبعا الإيقاع موضوع مقالنا هذا. كانت المدرسة المهجرية ثورة “رومانسية” على كل مؤسسات المجتمع ومواضعاته التقليدية، بما في ذلك المدرسة الكلاسيكية الجديدة بزعامة الشاعر أحمد شوقي. لم يعد الشاعر لسان القبيلة ونديم السلطان، وإنما هو ” نبيّ وفيلسوف ومصوّر وموسيقي وكاهن” ، بكلمات نعيمة في غرباله. هذا التغيير الراديكالي في الرؤية والأداة أصاب الإيقاع أيضا، كما أسلفنا، حتى أن نعيمة لم ير الوزن والقافية من ضرورات الشعر أصلا: “كما أن الله لا يحفل بالمعابد وزخرفتها بل بالصلاة الخارجة من أعماق القلب، هكذا النفس لا تحفل بالأوزان والقوافي بل بدقة ترجمة عواطفها وأفكارها، فلا الأوزان والقوافي من ضرورة الشعر كما أن المعابد والطقوس ليست من ضرورة الصلاة والعبادة” .

شعر المهجر

على هذا النحو كتب المهجريون لأول مرة في هذا العصر شعرا لا يتقيّد بوزن ولا بقافية، سمّاه أمين الريحاني الشعر المنثور مرّة، والشعر الحر الطليق أخرى. هكذا يصف الريحاني هذا الشعر في كتابه “أنتم الشعراء” :”يدعى هذا النوع من الشعر بالفرنسية vers libre وبالإنكليزية free verse – أي الشعر الحرّ الطليق- وهو آخر ما اتّصل إليه الارتقاء الشعري عند الإفرنج وبالأخصّ عند الإنكليز والأميركيين”. أشهر من كتب هذا النوع من الشعر، المعروف في تاريخ الأدب المعاصر باسم الشعر المنثور، هم جبران ونعيمة والريحاني، في مطلع القرن العشرين خاصة. إلا أن الشعر المنثور لم يلاق قبولا واسعا بين قراء العربية وشعرائها على حدّ سواء؛ إما لأنه ظهر قبل أوانه، أو لأن المبنى المقطوعي بالذات ((strophic كان أكثر مواءمة للروح الرومانسية المهينمة آنذاك، بحيث يمكن اعتبار الشعر المنثور طفرة راديكالية عارضة في إيقاع الشعر الحديث.

بالإضافة إلى الشعر المنثور، كتب المهجريون في الأساس شعرا التزموا فيه الوزن والقافية، إلا أن التجديد فيه كان شاملا، سواء من حيث موضوعاته، أو لغته الشعرية، أو إيقاعه. في الشكل الإيقاعي، وهو ما يهمنا هنا، اتخذوا المبنى المقطوعي شكلا مركزيا باعتباره يوافق الروح “الرومانسية” الغالبة بوضوح على كل نتاجهم. تتألف القصيدة في هذا الشكل من مقطوعات/ أجزاء ، وفي كل مقطوعة عدد ثابت من الأبيات/ الأسطر، ونظام ثابت من التقفية، وتتناول جزئية أو زاوية من موضوعة القصيدة بحيث تشكّل المقطوعات مجتمعة قصيدة متكاملة تتمتع، في الأغلب، بالوحدة الموضوعية، والوحدة العضوية في أحيان كثيرة. المبنى المقطوعي المذكور لا يكاد يختلف في الجوهر عن مبنى الموشّح، إلا أن المهجريين لم يغالوا في القافية مغالاة الأندلسيين، ولم يلتزموا عادة بقفل/ لازمة تتكرر في نهاية كل مقطوعة. كذلك عمد المهجريون، غالبا، إلى الأوزان القصيرة، والبحور المجزوءة، وأكثروا من القافية المقيدة، وفي ألفاظ سهلة سائغة، وهو ما جعل مناهضيهم يتهمونهم بالضعف والركاكة والخروج على الأعراف المرعية في القصيدة، وفي اللغة أيضا! باختصار يمكن القول إن المهجريين خطوا، بتجديداتهم المذكورة، خطوة حاسمة على طريق التخلص من الخطابية التقليدية، والانتقال بالشعر العربي إلى إيقاع خفيض خافت؛ ما دعا الناقد المعروف محمد مندور، في “في الميزان الجديد”، إلى تسميته، بحق، الشعر المهموس.

لعلّ نعيمة بالذات، في مجموعته الشعرية الوحيدة “همس الجفون”، هو خير من يمثل بشعره كل التجديدات المذكورة، المضمونية والأسلوبية، والإيقاعية، ففي قصيدة لنعيمة باسم ” أغمض جفونك تبصر” ، مثلا، تتمثل كل هذه التجديدات بوضوح:
إذا سماؤكَ يومًا تحجّبتْ بالغيومْ
أغمضْ جفونكّ تبصرْ خلف الغيوم نجومْ

جماعة الديوان 
في المشرق أيضا ظهرت في مطلع القرن العشرين، بتأثير الثقافة الغربية، وأدب المهجر ربما، جماعة الديوان؛ عباس محمود العقاد وإبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري، ثم مدرسة أبولو بقيادة أحمد زكي أبو شادي. والجماعتان المذكورتان لا تختلفان في الجوهر عن المدرسة المهجرية، وهو ما دعا العقاد إلى كتابة مقدمة الغربال مناصرا مواقف نعيمة الفكرية والفنية، قائلا:[9] “فشعرت وأنا أتابع قراءة هذه الصفحات بما تشعر به القافلة المنبتّة في المفازة السحيقة إذا ارتفعت لها قافلة أخرى تنشد الغاية التي خرجت تنشدها، وأوشكتْ أن ترتدّ عنها يائسة”. إلا أن المدرسة المهجرية، بحكم ظروفها السياسية والفكرية والثقافية ، كانت أجرأ على التجديد، وأبعد أثرا في الشعر المعاصر، بحيث يمكن القول إنها أهم مدرسة تجديدية عرفها الشعر العربي المعاصر حتى الحرب العالمية الثانية.

في أواخر الأربعينات من القرن العشرين، بعد الحرب العالمية الثانية، وفي العراق بالذات، كان التجديد الأكبر في إيقاع القصيدة العربية. لأوّل مرّة في تاريخ الشعر العربي، غامر شعراء العراق بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة وعبد الوهّاب البياتي، وبهذا الترتيب أيضا، في كسر قالب البيتيّة في القصيدة.

يلفت النظر، في هذا السياق، أن ثلاثتهم كانوا من خريجي مدرسة المعلمين العالية في بغداد، حيث تعرّفوا الشعر الإنجليزي عن كثب.

 

فكان ذلك فيما يبدو، بالإضافة إلى التغييرات الموضوعية الكبرى بعد الحرب، من العوامل التي عزّزت في نفوسهم الرغبة في التغيير والتجديد. لا يتّسع المجال هنا للخوض في المسألة الخلافية، التي شغلت كثيرين من الشعراء والنقّاد، حول أوّل من أخذ بالمبنى الإيقاعي الجديد: السيّاب أم الملائكة. نكتفي فقط، في تبرير الترتيب الذي أخذنا به أعلاه، بالإشارة إلى أنّ الملائكة زعمت في كتابها “قضايا الشعر المعاصر” أنها أول من كتب “الشعر الحر”، كما دعته هي، في قصيدتها ” الكوليرا”، إلا أنها تعترف بنفسها في مقدّمة مجموعتها “شظايا ورماد” أنّ القصيدة مقطوعية، وهي كذلك فعلا؛ تتشكل كل مقطوعة فيها من 13 سطرا، وفي نظام سيمتري صارم من حيث طول الأسطر ونظام التقفية، دونما تغيير فيه أو تبديل، بحيث تنطبق كلّ مقطوعة على أختها تمام الانطاق!

إقرأ أيضا
الإمام التاسع للأزهر

يذكر مؤرّخو الشعر الحديث أيضا، في هذا السياق، نماذج معدودة من أشعار مدرسة الديوان ومدرسة أبولّو، خرج فيها أصحابها على البيتية، أو بعض الأصوات التي نادت بتحطيم “عمود الشعر” مثل: أحمد زكي أبو شادي، خليل شيبوب، نقولا فياض، علي باكثير، مصطفى بدوي، لويس عوض. إلا أنّ هذه النماذج والأصوات جميعها ظلّت في نطاق التجريب والتنظير، إمّا لأنّ الظروف الموضوعية لم تكن بعد مهيّأة لهذه الثورة الحقيقية، قبل الحرب الثانية وضعضعة الأنماط السائدة، أو لأن أصحاب هذه النماذج والدعوات لم يملكوا المواهب الشعرية القادرة على إنجاز هذا التغيير الجريء في نتاج شعري راقٍ يشكّل قدوة تُحتذى لمن يرغبون في كتابة شعر جديد.

المبنى الإيقاعي الجديد

يتمثل التغيير الأساسي، في المبنى الإيقاعي الجديد، في كسر البيتية، كما أسلفنا. لم تعد القصيدة الجديدة تتشكّل من أبيات ذات شطرين، سيمترية متساوية الطول، تختمها القافية فتشكل “حاجزا” إيقاعيا ومعنويا بين البيت وتاليه، بل من أسطر تطول أو تقصر تبعا لرغبة الشاعر. ولم يعد للقافية أيضا نظام ثابت يُفرض على القصيدة مسبقا، كما في المبنى الكلاسيكي أو المقطوعي، بل تركت الحرية للشاعر كاملة في الأخذ بنظام القافية الذي يراه موافقا للقصيدة. هذه “الحرية” التي مارسها الشاعر في تحديد طول السطر ونظام القافية، جعلت نازك الملائكة تسمي هذا المبنى الإيقاعي الجديد “الشعر الحر”.

 

وهي تسمية غير دقيقة طبعا، لأنّ المبنى الجديد لم يتخلّ عن الوزن ولم يتخلّ عن القافية، كما هي الحال في “الشعر الحر” في الغرب، لذا اقترح النقاد تسميات أخرى كثيرة، إلا أن مبنى التفعيلة، أو المبنى التفعيلي، في رأينا، هي أبسط التسميات وأقربها إلى تشخيص هذا المبنى الجديد.

ترى الملائكة أيضا، في مقدّمة مجموعتها “شظايا ورماد”، أنّ هذا المبنى الإيقاعي الجديد ” ليس خروجا على طريقة الخليل، وإنما هو تعديل لها”. صحيح أن شعر التفعيلة أبقى عل الوزن والقافية، كما أسلفنا، إلا أنّ التغيير المذكور أعلاه لم يكنْ تغييرا هامشيا، بل كان تغييرا جذريا واكب اختلاف الرؤية والصورة واللغة والمعجم الشعري في نتاج المجدّدين بعد الحرب العالمية الثانية، وفتحَ القصيدة على مصراعيها للتيّارات الفكرية والفنية الحديثة الوافدة من الغرب.
عن كسر البيتية المذكور في المبنى التفعيلي، نجمت ظاهرتان هامتان، كان لهما أبعد الأثر في تشكيل القصيدة الجديدة. الظاهرة الأولى هي ظاهرة إيقاعية.

التضمين 

الظاهرة الثانية هي ظاهرة نحوية/معنوية، تسمّى في العروض الكلاسيكي التضمين، أو التتميم،  والتضمين هناك هو عبارة عن اتصال بيتين نحويا بحيث يشكّلان جملة نحوية واحدة، تعتبر هذه الظاهرة عيبا من عيوب القافية في العروض الكلاسيكي، وذلك لأن البيت في هذه الحالة لا يكون مستقلا ينتهي معناه عند القافية، ما يحول دون وقوف الشاعر، وهو ينشد قصيدته، في هذا الموضع. لهذا السبب، فيما يبدو، كان التضمين مذموما، في الأساس، حين يكون أقرب من القافية، أو يقع في القافية بالذات، كما يُستنتج من الأمثلة القليلة المكرّرة التي توردها كتب النحو والعروض عادة.

كان طبيعيا أن يلاقي الشعر التفعيلي معارضة شديدة من المحافظين، النقّاد والشعراء، بحيث شهدت الفترة المباشرة بعد ظهوره معركة ضارية بين أنصاره ومعارضيه. ولم تكن هذه المعركة فنية موضوعية دائما، بل تخلّلتها أيضا دعاوى فكرية إيديولوجية لا صلة لها بالشعر في كثير من الأحيان. إلا أنّ المبنى التفعيلي انتصر آخر الأمر، شأن كل جديد تمليه ظروف الحياة الجديدة، بحيث غدا بعد عشر سنوات على ظهوره، في أواخر الخمسينات، الشكل الإيقاعي المهيمن في القصائد المنشورة في الدوريّات والمجموعات الشعرية المطروحة في السوق. فقد أحصى ش. مورية، في كتابه “الشعر العربي الحديث”، 759 قصيدة في ثلاث وعشرين مجموعة، لخمسة عشر شاعرا، صدرت حتى عام 1962، فوجد 515 منها تنتمي إلى الشعر التفعيلي! ولعل في نشر شعراء كثيرين، في تلك الفترة، قصائد كلاسيكية الإيقاع، ينثرون فيها البيت الواحد على سطرين أو أكثر، إيهاما بالمبنى التفعيلي، خير دليل على انتصار الشكل الجديد واحتلاله المركز في النتاج الشعري آنذاك.

في أوّل العهد بالشعر التفعيلي، كانت للبحر الكامل هيمنة واضحة على هذا المبنى الجديد. لم يتحرّر الشعراء تماما، في المرحلة الأولى من المبنى التفعيلي، من الكامل الخطابي الذي ألفوه في شعر الكلاسيكية الجديدة قراءة ، وكتابة أحيانا.

ولعل قصيدة “السوق القديم” لبدر شاكر السيّاب، المكتوبة في البحر الكامل، الحافلة بالقوافي حتى لا يكاد يخلو سطر منها، بالإضافة إلى “الظاهرة الواوية” البارزة في بدايتها؛ لعلها خير ما يمثّل المرحلة الأولى المذكورة، بكلّ سماتها : “الليل والسوق القديمْ / خفتت به الأصوات إلا غمغمات العابرينْ / وخطى الغريب وما تبثّ الريح من نغم حزينْ / في ذلك الليل البهيمْ”.
لم تطل “زعامة” الكامل في المبنى التفعيلي الجديد، إذ سرعان ما احتلّ الرجز هذه المكانة بشكل واضح. ففي إحصائية مورية المذكورة، يشكّل الرجز 171 قصيدة، وإذا أضفنا إليه السريع، وهو يتشكّل من التفعيلات مستفعلن مستفعلن فاعلن، بحيث يجوز لنا اعتباره “تنويعة” من إيقاع الرجز، يصبح عدد القصائد في هذا الإيقاع 253 قصيدة، بينما تراجع الكامل إلى 143 قصيدة فقط.

المراجع والمصادر
[1] أنيس، إبراهيم١٩٧٢، موسيقى الشعر، القاهرة.
[2] الزيات، أحمد، ١٩٥٥، تاريخ الأدب العربي.
[3] لسان العرب، مدخل رجز.
[٤] نعيمة، مخائيل، ١٩٨٩، الغربال، بيروت.
[٥] الريحاني، أمين، ١٩٨٩، أنتم الشعراء، بيروت.
[٦] نعيمة، مخائيل،١٩٦٦، همس الجفون، بيروت.
[٧] الملائكة، نازك، قضايا الشعر المعاصر، بيروت، مكيبة النهضة، د. ت، . والكتاب من 11 مقالة نشرتها الملائكة لأول مرة في
[٨]مجلة الآداب البيروتية في السنوات 1853 – 1960.
[٩] الملائكة، نازك،١٩٧١، : ديوان نازك الملائكة، بيروت، دار العودة، المجلد الأول،.
[1٠] ش. مورية: الشعر العربي الحديث، 1900 – 1970، ليدن، 1976( بالإنجليزية).
[1١] ديوان بدر شاكر السياب، دار العودة، بيروت، 1971، وتاريخ كتابة القصيدة 3 / 11 / 1948.
[1٢] انظر هذه القصيدة: عبد الرحمن الشرقاوي: من أب مصري وقصائد أخرى، القاهرة، 1989.
[1٣] ديوان عبد الوهاب البياتي، بيروت، دار العودة، د. ت. ، ص.
[١٤]. عوض، لويس،١٩٩٨: بلوتولاند وقصائد من شعر الخاصة، الطبعة الثانية، القاهرة،.
[١٥] بارت، رولان، من العمل إلى النص: ترجمة محمد خير البقاعي ، مقال ضمن كتاب دراسات في النص والتناصية ، مركز الإنماء الحضاري ، سوريا ، 2004 .
[١٦] ] “موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون”، تحقيق: علي دحروج، مكتبة لبنان ناشرون، ط 1، ج 1.
[١٧] حافظ، صبري ١٩٩٦، أفق الخطاب النقدي ، دراسات نظرية وقراءات تطبيقية ، دار شرقيات القاهرة .
[١٨] كريستيفا، جوليا، علم النص ، ترجمة فريد الزاهي ، ومراجعة: عبد الجليل ناظم ، دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، المغرب ، ط1 ، 1991.

 

الكاتب

  • مي محمد المرسي صحافية مهتمة بالتحقيقات الإنسانية، عملت بالعديد من المؤسسات الصحافية، من بينهم المصري اليوم، وإعلام دوت أورج ، وموقع المواطن ، وجريدة بلدنا اليوم ، وغيرهم .

    كاتب برونزي له اكثر من 100+ مقال

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
1
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
1
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان